[الأنعام: 9]. وكان سيدنا جبريل - على سبيل المثال - ينزل إلى رسول الله أحيانا في صورة رجل قادم من السفر ويقعد ويتكلم مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يأت جبريل عليه السلام - إذن - بطبيعة تكوينه بل جاء بطبيعة البشر. وهناك خلق آخر مثل الجن، ونحن لا نقدر أن نرى الجن، ولا نستطيع بقوانيننا وقوانين الجن أن نراه، لكن إن أراد الجن أن يرينا نفسه فهو يتشكل بشكل مادي يرى يتشكل بشكل حيوان، يتشكل بشكل قطة، يتشكل بشكل جمل، يتشكل بشكل رجل، وهكذا، ولو كانت هذه المسألة غير مقيدة بتقنين يحفظ توازن الأمر بين الجنسين - الإنس والجن - لتعب الناس لأنه ساعة يظهر جن للإنسان ويقف أمامه ثم يختفي يسود الرعب بين البشر على الرغم من أن الجن تخاف من الإنسان أكثر مما نخاف نحن منهم لأن الجن يعرف أن قانونه يسمح له أن يتشكل بشكل إنس أو أي شكل مادي، وحينئذ يحكمه قانون الإنس وإن التقى بشخص معه مسدس - مثلا - فقد يضربه بالرصاص ويقتله، ولذلك يخاف الجن أن يظهر للإنسان مدة طويلة، وإنما يظهر كومضة البرق ويختفي لأنه يخاف كما قلنا - من الإنسان. إذن فالتوازن موجود بين الجن والإنس. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أوكلكم ثم ذكرت قول أخي سليمان: " رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فرده الله خاسئا، وفي رواية: " والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ".
وهكذا نعلم أن القوم إذا اقترحوا آية، ثم جاء الله بالآية، فإن كذبوا بها أخذهم أخذ عزيز مقتدر ولا يؤجل ذلك للآخرة. والحق سبحانه وتعالى يقول:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
[الأنفال: 33]. إذن فحتى الكفار به نالهم شيء من رحمته. ﴿ لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 109]. هنا يبلغ الحق رسوله أن يقول لهم: أنا لا آتي بالآيات من عندي ولا آتي بها بقانون قدرتي لأن قانون قدرتي مساو لكم. ولست متفوقا عنكم غير أنه يوحي إلي وأبلغكم ما أرسلت به إليكم. إن الله هو الذي يناولني آيات القرآن، ولا يوجد خلق يقترح على الله الآية لأن ما سبق في الرسالات السابقة يؤكد أن الحق إذا ما استجاب لآية طلبها الخلق ولم يؤمنوا فسبحانه يهلكهم ويستأصلهم أو يغرقهم أو يرسل عليهم ريحا صرصرا أو يخسف بهم الأرض، والحق هو القائل:
وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون
[الإسراء: 59]. إذن فبعض أهل الرسالات السابقة اقترحوا الآيات وحققها الله لهم ثم كذبوا بها. إذن فالتكذيب هو الأصل عندهم. والمفروض أن تأتي الآية كما يريدها الله لا أن يقترحها أحد عليه. ولذلك يأمر الحق رسوله أن يبلغهم: ﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ ثم يأتي خطاب جديد لأناس يختلفون عن المشركين هم المؤمنون، فيقول الحق لهم: ﴿ وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون ﴾ فكأنهم حينما قال أهل الشرك ذلك أراد المؤمنون أن يخففوا عنتهم مع رسول الله فقالوا له: يارسول الله، اسأل الله أن ينزل لهم آية حتى نرتاح من لجاجتهم، فيتجه الله بالرد على من قرظ هذا السؤال موضحا: أنتم مؤمنون وظنكم حسن، وفكرتكم طيبة في أنكم تريدون أن تكسروا حدة العنت، لكن ما يشعركم: أي ما يعلمكم أن الآية التي اقترحوها إن جئت بها لا يؤمنون. فكأن المؤمنين أيدوا قول هؤلاء المشركين في طلب الآية منعا للجاج. والنص القرآني جاء بقوله الحق: " لا يؤمنون " وجاء العلماء عند هذه المسألة واختلفوا، وجزى الله الجميع خيرا لأنها أفهام تتصارع لتخدم الإيمان. ونسأل: ما الذي يجعل الأسلوب يجيء بهذا الشكل؟ ونقول: إنها مقصودات الإله حتى نعيش في القرآن. لا أن نمر عليه المرور السريع. والأسلوب في قوله: " وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " هو دليل على أنه ليس لكم علم. وقلنا: إن الشعور يحتاج إلى إدراك ومواجيد ونزوع، فعلى أي أساس بنيتم شعوركم هذا؟ أنتم أخذتم ظاهر كلامهم، ولكن الحق يعلم ويحيط بما يخفون ويبطنون.