تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم

[الأعراف: 194]. وإن كنتم تريدون كشف حقيقة تلك الأصنام فهي أيضا مخلوقة لله وهي تعبده، واسألوهم ولن يجيبوا، وهم لا أرجل لهم يمشون عليها، ولا لهم أيد يبطشون بها، ولا لهم أعين يبصرون بها، ولا لهم آذان يسمعون بها. وفوق ذلك:

إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له

[الحج: 73]. وهل هناك ما هو أقل من الذباب في عرفكم؟ نعم، يقول الحق:

وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه

[الحج: 73]. فإن جاءت ذبابة وحطت على ما تأكل، أتستطيع أن تسترجع منها شيئا؟ لن تستطيع، وإن كنت جبارا وفتوة فامسك الذبابة وخذ منها الطعام الذي أخذته، لن تستطيع، ولذلك يقول الحق سبحانه:

ضعف الطالب والمطلوب

[الحج: 73]. وهذا هو الجدل الذي يجعل المجادل يخجل من نفسه، لكن إذا ثرت في وجهه وتعصبت فأنت تجعل له عذرا في الحفيظة عليك والغضب منك والهجوم عليك، وفي الانصراف عن منهج الله، ونسأل الله أن يعطينا طول البال وسعة الحلم والأناة على الجدل اللطيف. ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ﴾ [الأنعام: 108]. وحين يعلمنا الحق الجدل اللطيف للدعوة فهذا تزيين للدعوة، والدعوة في ذاتها جميلة لذلك لابد أن يكون عرضها جميلا. والمثال من حياتنا: أنت تذهب إلى التاجر وعنده بضاعة قد تكون متميزة جدا لكنه لا يرتبها ولا يحسن عرضها لذلك قد تنفر منه وتذهب إلى تاجر آخر قد تكون بضاعته أقل جودة، لكنه يحسن عرضها، وهذا هو التزيين أي تصعيد الحسن، ولذلك سمي الحلي وما تتجمل به المرأة زينة والمرأة قد تمتلك أنوثة جميلة، وهي مع جمالها تقوم بتزيين نفسها بالحلي، وبالجواهر والملبس الراقي، وكان العربي حين يمتدح امرأة بقمة جمالية يقول: هذه غانية، أي استغنت بجمالها عن أن تتزين لأن ما سوف تداريه بالعقد أجمل من العقد. والتزيين إذن جمال العرض للاستمالة والانجذاب، ونحن حين نزين أمرا فإننا نعطيه وقارا وحسنا ونزيده جمالا: ﴿ كذلك زينا لكل أمة عملهم ﴾ والأمة: هي الجماعة التي لها انتماء يجمع أفرادها، مثل أمة العرب.. أي أن المنتمين إليها هم العرب والأمة الإنجليزية أي أن المنتمين إليها إنجليز، أما أمة الإسلام فيدخل فيها العرب، والعجم، والأسود والأبيض، والأصفر، وهي أوسع رقعة، فإن كانت الأمم السابقة زينت لتناسب عصرا محدودا وزمنا محدودا، ومكانا محدودا فنحن نزينكم تزيينا يناسب كل أذواق الدنيا لأنكم ستواجهون كل هذه الأمم، فلابد أن يكون في دعوتكم استمالة لهذا ولهذا ولهذا.

وفي بدء الدعوة - وكانت حينئذ ضعيفة نجد - رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت إلى الأمة، فيكون بلال الحبشي هو من يؤذن، ونجده يقول عن - سلمان وهو فارسي -: سلمان منا آل البيت ويأتي سيدنا عمر يقول عن صهيب - وهو رومي -: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، أي أن عدم عصيانه لله طبيعة فيه حتى وإن لم يكن يخاف عقاب الله. فإذا كنا قد زينا لكل أمة من الأمم الماضية عملهم فتزيين أمتكم يجب أن يكون مناسبا لمهمتها زمانا ومكانا وأجناسا، وألوانا، ولغات، ولابد أن نزينكم أيضا بحسن أسلوب العرض لمنهج الدعوة. ويجب أن يتناسب مع جمالها، وأنتم أولى بالتزيين لأنكم مستوعبون لكل حضارات الدنيا، وانتماءات الدنيا، فيجب أن يكون تزيينكم مناسبا لمهمتكم. ﴿ كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم ﴾ [الأنعام: 108]. أي أننا وضحنا لهم منهج نقل الدعوة إلى الغير، وما ينال المحسن والمطيع من ثواب في الآخرة، والمؤمنون حينما ينعمون بنعيم الآخرة فهذا نعيم بغير حدود لأنه على قدر طلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى، وهم حين يتنعمون بكل هذه النعم يستشرفون إلى لقاء المنعم به، ويتجلى الله عليهم. وكما زينا للأمم السابقة أعمالهم قد زيناكم لأنكم أمة الإجابة، وهذا التزيين الخاص يربي الدعاة إلى منهج الله، ولو فطن غيركم إلى ما في منهجكم من زينة لبحثوا في هذا المنهج ولقام كل منهم باستقراء الوجود الذي بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولوجد أن لكل كائن مهمة، ولانضم إلى المنهج التعبدي.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٧٠