إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون
[الأنبياء: 98]. حصب جهنم إذن هم المشركون ومعهم الأصنام التي كانوا يعبدونها وستكون وقودا للنار التي يعذبون بها. وبعض من الناس السطحيين يظن أن هذا عذاب للأحجار، لا، بل هي غيرة ونقمة وغضب من الأحجار على خروج المشركين عن منهج الله في توحيد الله. فتقول الأحجار: لقد كنتم مفتونين بي ولذلك سأكون أنا أداة إحراقكم. إننا نجد المفتونين في الآلهة من البشر أو الآلهة من الأشجار أو الآلهة من الكواكب أو الآلهة من الأحجار يصيبهم الله بالعذاب، والأحجار التي عبدوها تقول كما قال بعضهم فيها شعرا:
عبدونا ونحن أعبد ل
له من القائمين في الأسحار
واتخذوا صمتنا علينا دليلا
وغدونا لهم وقود النار
للمغالي جزاؤه والمغالي فيه
تنجيه رحمة الغفار
ولذلك يأتي الأمر بألا نسب ما يعبده الذين أشركوا بالله لأن الأصنام لا ذنب لها، والواقع كان يقتضي أن تتلطفوا بالأحجار فهي لا ذنب لها في المفتونين بها. والحق سبحانه وتعالى يعلمنا ويوضح لنا ألا نظلم المتخذ إلها لأنه معذور، والسب هو ذكر القبيح، والشتم، والذم، والهجاء، إنك إن سببت وقبحت ما عبدوه من دون الله فإن العابد لها بغباوته سيسب إلهك فتكون أنت قد سببت إلها باطلا، وهم سبوا الإله الحق، وبذلك لم نكسب شيئا فانتبهوا. ويحذرنا القرآن من الوقوع في ذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ﴾ [الأنعام: 108]. وهم سيفعلون ذلك عدوا وعدوانا وطغيانا بغير علم بقيمة الحق وقدسيته سبحانه وتعالى لذلك يجب أن نصون الألسنة عن سب آلهتهم حتى لا نجرئ الألسنة التي لا تؤمن بالله على سب الله. إن الحق سبحانه يريد أن يعلمنا اللطف في منهج الدعوة لأنك تريد أن تحنن قلوبهم لتستميلهم إلى الإيمان ولن يكون ذلك إلا بالأسلوب الطيب. صحيح أن المؤمنين معذورون في حماسهم حين يدخلون في مناقشة مع المشركين ولكن ليتذكر المؤمن القيمة النهائية وهي الخير للدعوة. وليسأل الله أن يرزقه الصبر على المشركين، ويعلمنا الحق كيف نسير في منهج الدعوة، وعلى سبيل المثال نجد سيدنا نوحا عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. وظل يدعو ويتحنن في الدعوة، إلى أن قالوا له في آخر المطاف: أنت تفتري هذا الكلام من عندك، فعلمه الله سبحانه وتعالى أن يقول:
قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون
[هود: 35]. ويقول الحق سبحانه معلما رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قل من يرزقكم من السماوات والأرض
[سبأ: 24]. أي من الذي يعطيكم قوام الحياة؟ وأنت حين تسألهم سؤالا يناقض ما هم عليه. فيتلجلجون، فيسعف الله رسوله فيوضح سبحانه ويأمره أن يقول لهم:
قل الله وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين
[سبأ: 24]. و " إنا " أي رسول الله ومن معه. " أو إياكم " المقصود بها الكافرون بالله، ولم يقل لهم أنا وحدي على هدى وأنتم على ضلال، بل قال: منهجنا ومنهجكم لا يتفقان، ولا بد أن يكون هناك منهج على هدى ومنهج على ضلال، ولن أقول من هو الذي على هدى، ومن هو الذي على ضلال لأن محمدا صلى الله عليه وسلم واثق من أنهم لو أداروا المسألة على عقولهم وعلى بصائرهم: فلن يجدوا جوابا إلا أن رسول الله على الهدى وأنهم على الضلال. فتركهم هم ليقولوها. ولنتأمل أيضا قول الحق سبحانه:
قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون
[سبأ: 25]. لم يقل الحق إنهم هم الذين يجرمون، بل جعل الجرم - إن صح - على المؤمنين، وجعل العمل - وإن فسد - مع الكافرين.
وعلى الأقل كانت المساواة تقتضي ولا نسأل عما تجرمون ولكنه لم يقل ذلك. وهذا هو الأدب العالي واللطف لأن الحق سبحانه وتعالى يريد ألا يترك الرسول لغرائزهم مكانا للإباء عليه، وألا يجدوا وسيلة لينفروا من الدعوة. ولهذا يعلمنا هذا الأسلوب فيقول: ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ﴾ [الأنعام: 108]. وبذلك نحقق لطف الجدل. ويقول سبحانه: