يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا
[مريم: 44]. وما هي العبادة؟ العبادة هي أن يطيع العابد المعبود فيما يأمره به، وما داموا يطيعون الشياطين في وسوستهم فكأنهم عبدوهم، ولذلك يقول الحق سبحانه:
ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون
[سبأ: 40]. فقالت الملائكة:
قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون
[سبأ: 41]. وكيف كانوا يعبدون الجن؟ إنهم كانوا يطيعونهم فيما يأمرونهم به وينهونهم عنه لأن العبادة هي الطاعة، وأنت أيها العابد لا تقترح العبادة بل تنظر فيما طلب منك أن تتقرب به إلى المعبود، إذن " افعل ولا تفعل " هي الأصل.
﴿ وجعلوا لله شركآء الجن ﴾ ولماذا جاءوا لله بشركاء؟ لماذا لم يعبدوهم وحدهم ويستبعدوا الله من العبادة؟ لأن وجود شريك دليل على الاعتراف بالله أيضا فلماذا جعلوا له شركاء؟ ولماذا لم يلحدوا وينكروا ويكفروا بالله وتنتهي المسألة؟ لا. لم يفعلوا ذلك لأنهم رأوا أن الشركاء ليس لهم مطلوبات تعبدية وحين عبدوها - مثلا - لم تقل لهم " افعلوا " و " لا تفعلوا " وليس هناك منهج لاتباعه، لكن أحداثا فوق أسبابهم ولا يستطيعون لها دفعا قد تحدث فلمن يجأرون؟ أللآهة التي يعتقدون كذبها وبهتانها وأنها لا تنفع ولا تضر؟ لذلك احتفظوا باعترافهم بالله ليلجأوا إليه فيما لا يقدرون على دفعه لا هم ولا من اتخذوهم شركاء، ولذلك يقول الحق:
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه
[يونس: 12]. كأنه يريد عبادة الله للمصلحة فقط. ﴿ وجعلوا لله شركآء الجن ﴾. ومن العجيب - إذن - أنهم جعلوا لله شركاء، مع أن الله هو الذي خلق العابد والمعبود، والتعجيب من أمرين اثنين: أن يجعلوا شركاء لله من الجن أو من الملائكة، والعجيبة الأخرى أنه ﴿ خلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ﴾ وما معنى خرقوا له؟ معناها أنهم اختلقوا لأن الخرق إيجاد فجوة في الشيء المستوى على قانون السلامة، ولذلك قال في السفينة:
أخرقتها لتغرق أهلها
[الكهف: 71]. وخرقوا له. أي عملوا خرقا في الشيء السليم الذي تأبى الفطرة أن يكون. ﴿ وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات ﴾ [الأنعام: 100]. أما القسم الذي ادعى أن لله البنين فهم أهل الكتاب إنهم قالوا ذلك:
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله
[التوبة: 30]. أما من جعلوا لله البنات، فهم بعض العرب الذين كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله.
أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا
[الإسراء: 40]. وقال سبحانه:
أصطفى البنات على البنين * ما لكم كيف تحكمون
[الصافات: 153-154]. وسبحانه القائل:
ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى
[النجم: 21-22]. وهناك من العرب من جعل بين الله وبين الجن صلة نسب مصداقا لقول الحق:
وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا
[الصافات: 158]. لقد افتروا على الحق وادعو أن اتصالا تم بين الله وبين الجنة فخلقت وولدت الملائكة. ﴿ وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ﴾ [الأنعام: 100]. ولماذا يقول الحق: ﴿ بغير علم ﴾ لأن العلم يؤدي إلى النقيض، فالعلم قضية استقرائية معتقدة واقعة يقام عليها الدليل، وهذا شيء لا واقع له، ولا يمكن أن يوجد عليه دليل لذلك فهو قول بغير علم بل هو بجهل. هي إذن جهالة بأن يصدقوا في حاجة وأنها واقعة وهي ليست واقعة، ولا يقام عليها دليل لأنها غير موجودة، ولو استقام الدليل عندهم بفطرتهم المستقبلة لأدلة البيان وأدلة الكون لتبرأوا مما اعتقدوا، ولرفضوا أن يتخذوا لله شركاء.
وقد عرض الحق قضية طرأت على الأفكار المشوشة وقالوا: " شركاء " فقال: " سبحانه " ، أي تنزيها له عن الشرك في الذات وفي الصفات، وفي الأفعال لأن ذاته ليست ككل الذوات، وأفعاله ليست ككل الأفعال، وصفاته ليست ككل الصفات، ولذلك تأتي " سبحانه " في كل أمر يناقض نواميس الكون الموجودة. وخذ كل أمر يتعلق بالإله الحق في إطار " سبحانه ". ولذلك حينما جاء بالإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به في ليلة واحدة وكان ذلك أمرا عجيبا، أمرنا الحق أن نتقبلها في إطار قوله الحق: