تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة

[الأنفال: 42]. وجاء الحق بمقابل الهلاك وهو الحياة فالهلاك ضد الحياة والحياة ضد الهلاك، ويقول سبحانه في آية أخرى:

كل شيء هالك إلا وجهه

[القصص: 88]. إذن ما دام كل شيء هالكا، فكل شيء فيه حياة، والخطأ أن تظن أن كل حياة تتشابه في الحس والحركة مع الإنسان، لا، إن الحياة في كل شيء بحسبه، إلى أن تقوم القيامة، فكل شيء حي له حياة تناسبه، وحين نسمع:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم

[الإسراء: 44]. نقول: نعم كل من يسبح بحمده يقول قولا، وإياك أن تقول إنه تسبيح دلالة لأن بعضهم يقول: إن هذا تسبيح دلالة على الخالق، ونقول: لو أن الذي يقصده الله تسبيح دلالة على خلق لما قال:

ولكن لا تفقهون تسبيحهم

[الإسراء: 44]. إذن: فلا أحد منا يفهم لغة التسبيح، وعرفنا من قبل حين سمع سليمان عليه السلام قول النملة وتبسم لها ضاحكا، وكذلك ما سمعه من الهدهد، وكذلك تسخير الجبال لتسبح مع داود عليه السلام. ﴿ إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ﴾ [الأنعام: 95]. إن كل كلمة لها دلالتها ومعناها. فكلمة العلم تدلنا على إحاطة علمه بكل شيء في الوجود، وكلمة الحكمة تدلنا على أن كل شيء منه يصدر عن حكمة. وكلمة الرزاق تدلنا على أن كل مرزوق في الوجود إنما أخذ من فيضه وخيره، وهكذا إلى ما لا نهاية لكماله من صفات ذاته. وكلمة " الله " تدل على كل صفات الجلال والجمال والكمال، فإذا قال: " الله " فهذا الاسم: يشمل القادر، العالم، الحكيم، القدير، وكل صفات الحق ما علمت منها وما لم تعلم، ما دامت ذاته سبحانه وتعالى متصفة بكل صفات الكمال، فالواجب أن يكون كل فعل يصدر عن ذاته المتصفة بالكمال له مطلق القدرة والجمال والكمال. إذن فحين يقول الحق ذلك فإنما يلفتنا إلى أن كل شيء كائن في الوجود إنما هو من خلق الله، وأن له حياة تناسب مهمته فالإنسان له حياة تناسب مهمته. والحيوان له حياة تناسب مهمته. والنبات له حياة تناسب مهمته. والجماد له حياة تناسب مهمته. وإذا نظرت إلى الأشياء كلها بهذا المعنى وجدت أن كل موجود فيه حياة، ولكن الحياة الكاملة بكل مقوماتها وجدت في الأعلى من المخلوقات وهو الإنسان، والله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان الحياة حسا وحركة، ثم أعطاه حياة أخرى هي التي تصعد حياته وتجعل لحياته قيمة لأن حياتنا الني نعيشها إنما يتمتع بها المؤمن والكافر، وقصارى ما فيها أن تعطينا الحس والحركة قدر عمرنا في الحياة، ولكن حياة الإيمان بما يبعثه الله لنا من منهج على يد الرسول. تعطينا حياة أوسع، وأخلد، وأرغد، وهذه هي الحياة الحقة، ولذلك يقول الحق سبحانه:

وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون

[العنكبوت: 64]. وهذه هي الحياة الحقيقية وقول الحق: ﴿ إن الله فالق الحب والنوى ﴾ هو المقدمة الأولى للحياة، ثم تكلم عن الحياة وأنه يخرج حيا من ميت، وهو هنا قد خاطبنا على مقدار أوليات علمنا بالأشياء فالشيء إذا لم يكن له حس وحركة نعتبره ميتا لكن لو نظرت إلى الحقيقة لوجدت كل شيء في الوجود له حياة.

مصداق ذلك قوله جلت قدرته:

كل شيء هالك إلا وجهه

[القصص: 88]. وما دام كل شيء هالكا فكل شيء قبل أن يهلك كان فيه حياة. والله سبحانه القائل:

قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير * تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشآء بغير حساب

[آل عمران: 26-27]. ولماذا جاء في هذه الآية ب " تخرج " وجاء في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قوله: " ومخرج الميت من الحي "؟ إن الذين بحثوا هذا البحث نظروا نظرة سطحية في المقابلة الجزئية في الآية، وهي: ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ وقال: ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ نسوا أنه سبحانه قال: إنه يخرج الحي من الميت لبيان أن الله فالق الحب والنوى ليخرج الحي من الميت أي أن الله فلق وشق الحب والنوى لأجل أن يخرج الحي من الميت.. ثم قال: ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ هو مقابل لفالق فلا تأخذها مقابلة للجزئية في الآية ولأن الاسم يدل على الثبوت، والفعل يدل على الحدوث فالحق سبحانه وتعالى له صفة في ذاته، وصفة في متعلقات هذه الذات فهو سبحانه وتعالى رزاق، قبل أن يكون له مخلوق يرزقه. وهو رزاق، وبعد ما خلق من يرزقه هو رازق لأنه هو الخالق، والخالق صفة للذات وإن لم يوجد المتعلق، وهو سبحانه المحيي قبل أن يوجد من يحييه لأن صفته في ذاته أنه يحيي، ومميت قبل أن يميت من يريد أن يميته لأن الصفة موجودة في ذاته. وسبحانه فالق الحب والنوى أي قبل أن يوجد الحب والنوى الذي يفلقه، ومخرج الحي من الميت هو صفة ثابتة في ذاته قبل أن يوجد متعلقها. وله صفة - أيضا - بعد أن يوجد المتعلق، فإن أراد الصفة قبل أن يوجد المتعلق جاء بالاسم: " فالق ومخرج ". وإن كان يريد الصفة بعد أن توجد، يقول: " يخرج " ، " يخرج ". ويذيل الحق الآية: ﴿ ذلكم الله فأنى تؤفكون ﴾ [الأنعام: 95]. و " ذا " اسم إشارة لما تقدم، وهو سبحانه فالق الحب والنوى ومن يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وهو الله. والكاف في قوله: ﴿ ذلكم ﴾ لمن يخاطبهم وهم نحن، أما اللام من ﴿ ذلكم ﴾ فهي للبعد والميم للجمع.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٤٧