محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم
[الفتح: 29]. وحين ننظر إلى كلمة " أشداء " ، وكلمة " رحماء " ، نجد في ظاهر الأمر تناقضا في الطباع، أما المدقق المحقق فيعلم من هذا القول أن الإسلام لا يطبع المسلم على لون واحد لأنه يريد منه كل الألوان، فلو خلقه شديدا لفقدته مواطن الرحمة، ولو فطره وخلقه رحيما لفقدته مواطن الشدة. والإسلام يطلب من المسلم الالتزام بالقيم الروحية والمادية لتحرس كل منهما الأخرى لأن المسلمين لو راحوا للمادة فقط لصارت حضارتهم شرسة، ولو راحوا للقيم لما استطاعوا أن يقيموا حضارة تبقى وتدوم، والحق يريد حضارة تجمع بين الاثنين الروح والمادة، لذلك يجمع الإسلام بين الاثنين الروح والمادة لأن اليهود في فهمهم لما افتقدت الروح، والنصرانية في فهمهم لها غرقت في الروحانيات وافتقدت المادة، وجاء القرآن مصدقا لما بين يديه، وهكذا جاءت الآية بالبلاغ عن أهل الكتاب. ويتابع البلاغ لأهل قريش قاطني مكة فيقول: ﴿ ولتنذر أم القرى ﴾ ، ونعرف أن أم القرى تعني مكة، وقد حاول البعض أن يتخذ من هذه الآية حجة ليقول: إن القرآن قد نزل لجماعة العرب فقط، ولهؤلاء نقول: أنتم لم تحسنوا الفهم لمعطيات اللفظ، ولنسأل: ما الحول أولا؟. الحول هو المحيط الذي حول النقطة، أي نقطة وكل نقطة، وحول كل نقطة قطر وقد يكون القطر 20 كيلومترا، وقد يكون مائة كيلومتر، وكلما بعدت المساحة فهي حول هذه النقطة، إذن فكلمة الحول تشمل كل ما حوله، وحول كل مكان يشمل كل مكان. ولماذا سميت أم القرى؟ إما لأن " هاجر " لما نزلت بابنها الرضيع بواد غير ذي زرع، وبعد ذلك تكاثر الناس فصارت هي أم القرى، أو لأن فيها الكعبة، وكل الناس يؤمونها، أو لأن الحاج يأتيها من كل صوب كما يهب ويسرع الأبناء ويلوذون بأمهم.
﴿ ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ﴾ [الأنعام: 92]. من - إذن - الذي يؤمن بهذا الكتاب الذي أنزل مصدقا لما بين يديه لينذر به أم القرى ومن حولها، ومن هم الذين يؤمنون بالآخرة؟ ولماذا جاء الربط بين أم القرى وما حولها وبين الذين يؤمنون بالآخرة؟. لأن أحدا لن يذهب لتعاليم القرآن ليأخذها وينفذها إلا من يؤمن بأن هناك يوما نذهب فيه جميعا إلى الآخرة. لذلك يخاف فيهرب من المعاصي، ويرغب في الطاعة لأن هناك ثوابا وعقابا، أما الذي لا يؤمن بالآخرة فلا يسمعك ولا ينصاع ولا ينقاد لك حين تأمره بالعفة لأنه لا يرى ثوابا أو عقابا ولا ينتهي عن السرقة أو الكبر أو الموبقات جميعا لأنه لا يخاف من الآخرة؟. إذا فالذي يملكنا جميعا هو الآخرة والخوف منها، ومن لا يؤمن بالآخرة يقول أنا غير ملزم بشيء، ولا شيء يقيد حريتي. ثم لماذا أقيد حريتي؟! وهنا نقول: أنت تأخذ الأمر بسطحية، فعلى فرض أن في قوانين السماء ما يقيد حريتك، لكنه لا يقيد حريتك وحدك، إنه يقيد حرية الكل، فإن قيد حريتك بالنسبة للناس، فهذه القوانين السماوية تقيد حرية الناس بالنسبة لك، فحين ينهاك الدين عن السرقة، وعن النظر إلى محارم الغير فهو يقول للناس كلها: لا تسرقوا من فلان ولا تنظروا إلى محارم فلان، وبذلك تأخذ حقك كاملا، وبهذا تعيش في نظام متساو لا تتعب فيه لأن الجاري والمطبق عليك جار على غيرك مع جريانه عليك. لكن من يؤمنون بالآخرة هم كل واحد يريد أن ينجي نفسه من العقاب، ومن الوعيد. ويدخل نفسه في الوعد وفي الثواب. فمثلا - ولله المثل الأعلى - حين نقول للولد: اذهب لتلقى العلم، قد يرد: أنا لا أريد شهادة، فيجبره والده في البداية أن يستذكر، ثم نجد الشاب بعد مشوار المذاكرة يخاف من الرسوب وأن عليه أن يجتهد وأن ينجح. أما إن لم يوجد امتحان في آخر العام فالمذاكرة وعدمها سواء لديه. فمن أقرب - إذن - إلى الاستجابة لنداء العدل والخير؟ إنه من يؤمن بالآخرة. ﴿ والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ﴾ [الأنعام: 92]. ولماذا جاء بالحفاظ على الصلاة هنا؟. نحن نعلم أن الصلاة، هي عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، وحين نحلل الأمر تحليلا طبيعيا نجد أن الناس تنفر من الطاعات لأنها تأخذ زمنا يحبون أن يقضوه في اللعب، وحين نقول لواحد مثلا: اترك عملك وصل.