تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل

[الزمر: 5]. وما دام الليل يأتي وراء النهار، والنهار يأتي وراء الليل في شبه كرة فالذي يأتي عليه الليل والنهار شكل الكرة. فكأن كلا من الليل والنهار دائر وراء الآخر حول كرة، إذن فالحق يعطي اللمحة بميزان حتى تتسع العقول للفهم. ويقول القرآن:

قل لله المشرق والمغرب

[البقرة: 142]. وهذا قول واضح لأن كل واحد منا يعرف المشرق والمغرب. لكن حين يقول الحق:

رب المشرقين ورب المغربين

[الرحمن: 17]. أكان يفهمها المعاصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نعم، لأنه ساعة ما يقول: إن الشمس أشرقت من المكان الفلاني، وغابت عن مكان آخر، فساعة شروقها عندك تغرب عندي، وساعة تغرب عندك تشرق عندي، وهكذا يصير كل مشرق معه مغرب، إذن فقد صدق قول الله ﴿ رب المشرقين ورب المغربين ﴾.

ونعلم أن الشمس لها مشرق كل يوم، ومن زار في الصعيد المعبد الذي توجد به 365 طاقة - فتحة - وتطلع الشمس في كل يوم من طاقة معينة ولا تطلع من الطاقات الأخرى يتأكد من أن الشمس لها في كل يوم مشرق. إذن هناك مشارق ومغارب، وصدق الله القائل: رب المشارق والمغارب. إن القرآن يخاطبنا بأسلوب يحتمله العقل المعاصر، وإذا ما جد جديد نجد الأمر مكنوزا في القرآن، ونجد تأويلا جديدا لا ينسخ التأويل الآخر ولكنه يرتقي به. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يفسر القرآن التفسير الكامل لأنه كان لا بد أن يفسره بما تطيقه العقول المعاصرة له، وإن فسره بما تطيقه العقول المعاصرة له فمعنى ذلك أنه لن يعطي العقول التي تأتي بعد غذاء من القرآن لذلك ترك صلى الله عليه وسلم القرآن دون تفسير إلا في النزر اليسير. وتجد ذلك في آيات الكون، أما في الأحكام فالأمر محدد. لكن في الأشياء التي يتجدد فيها العلم فقد تركها. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام عن القرآن: " لا تنقضي عجائبه " وكأنه يلفتنا إلى أن عجائبه لا تنقضي ولا تنتهي، وكل يوم يعطي عجائب جديدة. إذن فالقرآن مبارك بحكم ما هو مكنوز فيه إلى قيام الساعة. وأنت تلتفت إلى الناس فتجدهم يتعبون في اكتشاف أسرار الكون، وتجد القرآن قد مس ما يبحثون عنه مسا خفيفا. ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ﴾ [الأنعام: 92]. وساعة تقول: " بين يدي الشيء " أي الشيء الذي يسبق، والكتب السابقة هي التي نزلت بين يدي القرآن أي قبله، والمقصود بها الكتب المعروفة المشهورة وهي التوراة والإنجيل إذ هما الكتابان الباقيان إلى الآن. والقرآن يصدق الذي بين يديه ولا يعني ذلك تصديق المحرف بل تصديق " الأصيل ". ولذلك نجد عبد الله بن سلام وغيره حينما جاءوا للإسلام اعترفوا بذلك، ويقول عبد الله بن سلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انشرح صدري للإسلام، ولكني أعلم أن اليهود قوم بهت - أي أنهم مكابرون - فأنا أريد أن تسألهم عني قبل أن أسلم، فقال رسول الله لهم: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا وشيخنا ورئيسنا... إلخ. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. هنا بدأوا في كيل السباب لسيدنا عبدالله بن سلام فقال: ألم أقل لك يا رسول الله إنهم قوم بهت؟ وقوله الحق: ﴿ مصدق الذي بين يديه ﴾ أي أنك إذا ما أردت أن تعرف صدق هذه القضية فهات ما لا حاجة لهم فيه إلى تكذيبه، وستجد القرآن قد جاء موافقا له.

مثال ذلك حين جاء القرآن بالرجم. هم حاولوا أن يخففوا حكم الرجم لأن امرأة زنت وأرادوا أن يجاملوها. فرفعوا أمرها للنبي وقال بعضهم لبعض: إن حكم بعدم الرجم فهذا خير لنا ولها، ومن العجيب أنهم غير مؤمنين بمحمد بينما يريدون الحكم منه، فيقول لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: هاتوا الكتاب، ويأتون بالصحف الموجودة عندهم، فوجدوا آية الرجم إذن فالقرآن مصدق الذي بين يديه من غير المكتوم، ولا المحرف، ولا الموول. وإذا ما نظرت إلى القضايا التي يلتفتون إليها، ولكنها تمر أمامهم خاطفة، تجد أنت هذه القضايا وسيلة يريد الله بها أن يكشف الفساد والكذب والتجبر، حتى لا يطمس أهل الباطل معالم الحق. ومثل هذه القضايا تحتاج إلى المحقق اللبق. ونجده سبحانه جاء في التوراة بمثل للأمة المحمدية، ويكرر هذا المثل في القرآن حين يقول سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٣٩