" فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مالك بن الصيف - وهو من أحبار اليهود - يخوض كثيرا في الإسلام قال له: أفي توراتكم: " إن الله يبغض الحبر السمين " فبهت الرجل، وقال: " ما أنزل الله على بشر من شيء "
يعني ما أنزل الله على بشر من شيء من الذي أنت تقوله، وهكذا نعلم أن مثل هذا القول قد يأتي من أهل كتاب، وحين قال مالك هذه القولة قام عليه رجال من اليهود وقالوا له: كيف تقول: " ما أنزل الله على بشر من شيء " فقال لهم: أغضبني محمد، فرددت على الغضب بباطل. وهنا قال من سمعه من اليهود: إذن أنت لا تصلح أن تكون حبرا لأنك فضحتنا. وعزلوه، وجاءوا بكعب بن الأشرف وولوه مكانه. ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ [الأنعام: 91]. الكتاب إذن هنا هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى وهو التوراة وقد جعلوه قراطيس، أو جعلوه أوراقا منفصلة يظهرون منها ما يريدون، ويخفون منها ما لا يريدون مثلما فعلوا في مسألة الرجم كعقاب للزنا. إذن فقد سبق لهم كتمان ما أنزل الله عليهم، وبين الحق ذلك في آيات متعددة:
فنسوا حظا مما ذكروا به
[المائدة: 14]. والذي لم ينسوه كتموا بعضه وأظهروا بعضه، والذي لم يكتموه حرفوا ولووا به ألسنتهم، إذن فهناك نسيان، وكتمان، وتحريف. وليتهم اقتصروا على هذا ووقفوا عنده بل جاءوا بأشياء من عندهم وقالوا هي من عند الله:
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا
[البقرة: 79]. ويتابع الحق سبحانه: ﴿ وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ [الأنعام: 91]. فإن كان الكلام في كفار مكة فقد جاءهم القرآن بما لم يعلموا لا هم ولا آبائهم لأن الإسلام جاء على فترة من الرسل. وإن كان في أهل الكتاب فهو قول صدق لأنهم لما كتموا أشياء فضح القرآن ما كتموه وما حرفوه. وجاء القرآن فعدل لهم، فكأنهم علموا الحق، لينسخوا به الباطل الذي غيروه وحرفوه، وقوله الحق: ﴿ قل الله ﴾ أي أن الذي أنزل الكتاب هو الله. وساعة يأتي الحق سبحانه وتعالى بصيغة الاستفهام نعلم أن الاستفهام الحقيقي بالنسبة لله محال، لأنه يعلم كل شيء، وإنما يجيء باستفهام يقال له: " الاستفهام الإنكاري " أو " الاستفهام التقريري " وهو يأتي بهذه الصيغة لأنه يريد جوابا فيه الإقرار من المعاندين، فإن لم يقولوا واحتاروا أو خجلوا أن يقولوا فقل أنت لهم يا محمد: ﴿ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ [الأنعام: 91].
و " الخوض " هو الدخول في الماء الكثير، الذي لا تستبين العين فيه موضع القدم، وربما نزل في هوة، ثم استعمل واستعير للخوض في الباطل. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ أي أن هذا لعب منهم ولن يستطيع الصمود أمام الدعوة، فالدعوة سائرة في طريقها، ولن يتمكنوا منها أبدا، فكل الذي يصنعونه هو خوض في باطل ولعب لا جدوى منه ولا صلة له بالجد. ولكن هل معنى هذا أن يتركهم محمد؟ لا لأنه حين يجد آذانا منهم ينبههم ويذكرهم، ثم بعد أن ينفتح الأمر للإسلام، فالذي يقيم في جزيرة العرب لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف لأن المعجزة جاءت مباشرة بقرآن يعلم الكل إعجازه، وسبحانه قد أنزل التوراة من قبل وأنزل القرآن مباركا، فالحق يقول بعد ذلك: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه... ﴾.