تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. وفي الدنيا قد تملك مثلا أن توظفني عندك وتعطيني أجرا، وقد تملك أنك تطبخ لي طعامي أو تعطيني طعاما، أو تملك أنك تخيط جلبابي، لكن في الآخرة لا يملك أحد لأحد سببا لأننا نحيا في الدنيا بالأسباب التي منحنا الله إياها، وفي الآخرة بالمسبب وحده دون أسباب.

﴿ وله الملك يوم ينفخ في الصور ﴾ ولو سلسلتها قبل أن ينفخ في الصور تجد الملك أيضا لله ولكن بوسائط لأن الحق سبحانه وتعالى جعل الأرض أرض معاش، وهناك الآخرة إنها أرض معاد، لذلك قال:

يوم تبدل الأرض غير الأرض

[إبراهيم: 48]. والأرض التي نحيا عليها مخلوقة لنستعمرها، ونحرث جزءا منها لنزرعه، ونبني بيوتا على جزء آخر، وهكذا تكون المسألة كلها أسبابا يتوافق بعضها مع بعض فأنا لا أستطيع أن أحرث إلا بمحراث، وكذلك من يرغب في استخراج عنصر الحديد من الأرض يقيم منجما، ومن يرغب في استخراج البترول يأتي بالآلات التي تستكشف أماكنه، ولا أحد يستطيع أن يملك كل أسباب حياته بل توجد في يده زاوية واحدة، وباقي الزوايا في أيدي بقية الخلق. وحين تسلسل الأسباب التي نحيا بها سنرجع للحق سبحانه وتعالى، فحين تنتهي يد المخلوق وأسبابه تضيق به فإن يد الخالق جلت قدرته مبسوطة إليه دائما، وإياك أن تغرك الأسباب ولكن سلسل الأسباب إلى أن تنتهي إلى الله. ولو سلسلت كل ظاهرة من ظواهر الكون لوصلت إلى منطق الحق فالطفل الصغير يرقب ظاهرة في البيت، هي زر في الحائط، عندما يضغطون عليه بأصبع واحد يضيء المصباح، فيقلدهم، وحين يراه أخوه الذي يدرس الإعدادية يقول له: لا تصدق أن الضوء يأتي من هذا الزر بل هناك سلك قادم من خارج المنزل يربط بين صندوق الكهرباء والمنازل، وحين يسمعهما من هو أعلى منهما علما يشرح لهما أن الكهرباء الموجودة داخل هذا الصندوق قادمة من المولد الكبير الذي في موقع ما من المدينة، وقد صنعته المعامل والعقول حتى ينتهي الشرح فيصل إلى فكرة التيار المكهرب المستخلص من شلالات الأنهار مثلا. إذن فكل ظاهرة تراها أمامك وراءها حلقات غيبية لو سلسلتها لوصلت إلى الحق سبحانه وتعالى، وسبحانه قد احترم دنيانا وجعلنا نفهم أن بعضنا له ملك، ولكن نقول لكل ملك: إن هذا الملك ليس بذاتك لأنه لو كان بذاتك لما سلبك أحد هذا الملك أبدا. وسبحانه القائل:

قل اللهم مالك الملك

[آل عمران: 26]. إذن فليس هناك من له الملك بذاته إلا الله. والحق يقول هنا: ﴿ وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ﴾ [الأنعام: 73]. ينفخ في الصور تفيد الإيذان بمقدم أمر ما، فبعد النفخة الأولى يموت من كان حيا، وبعد النفخة الثانية يصحو الموتى ويقومون. وكلمة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ تشرح لنا أنه سبحانه ما دام عالم الغيب فمن باب أولى أنه يعلم المشهود. وهذا تعبير دقيق، وإنه يعلم الغيب ويعلم الشهادة وعلمه يترتب عليه جزاء لا عن تحكم، ولكن عن حكمة. ويذيل الحق الآية بقوله سبحانه: ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ والحكيم هو الذي يضع كل أمر في مكانه، والخبير هو من يعلم كل شيء بإحاطة تامة، وسبحانه ليس بحاجة إلى أن يظلم أحدا، لأن من يظلم إنما يريد أن ينتفع بالشيء الموجود لدى المظلوم، وربنا لا ينتفع بحاجة من هذه، بل ينفعنا جميعا، ولذلك إذا نظرت إلى الإيمان تجده كله عزة، وأنت تجد الناس تكره كلمة " عبودية " ، وتقوم حروب من أجل تحرير البشر من عبودية البشر، أما عبودية بشر للحق فأمرها مختلف لأن العبودية للبشر، نجد فيها أن السيد يأخذ خير عبده، ولكن العبودية لله نجد فيها أن العبد يأخذ خير سيده، وهكذا تكون العبودية لله عزة، أما العبودية للبشر فهي ذلة.

ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى قد امتن على نبيه بصفة العبودية فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦١٥