تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا افتعال يتعب الجوارح لأن مثل هذه الأمور تتعب ملكات الإنسان، إنه يحاول أن يرضي ملكة واحدة فيتعب كل ملكاته الأخرى. ﴿ وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ... ﴾ [الأنعام: 70]. إذن فهي النفس التي تحبس وتسلم نفسها إلى الهلكة والعذاب بسوء كسبها ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع، ولا يقبل منها عدل. وهذه مراحل متعددة تبدأ بقوله الحق: ﴿ ليس لها من دون الله ولي ﴾ والولي هو الذي ينصرك إن كنت في مأزق. ومأزق الآخرة كبير، فماذا عن الإنسان الذي ليس له ولاية؟ إنه العذاب الحق. والمرحلة الثانية ﴿ ولا شفيع ﴾ أي ليس له من يشفع عند من يملك النصرة وهو الله فالذي يحبك إن لم ينصرك بذاته فإنه قد يشفع لك عند من يستطيع أن ينصرك. وهذا أيضا لا يوجد لمن لم يتذكر ويتعظ ولم يتبع المنهج الإيماني. والمرحلة الثالثة ﴿ وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ ﴾ أي أنه لا تقبل منه فدية. فهذه المنافذ الثلاثة قد سدت ولا سبيل للنجاة لهؤلاء الذين قال فيهم الحق: ﴿ أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ أي أهلكوا أو حبسوا في الجحيم حبسا لا فكاك منه، وليس هذا فقط ولكن الحق يقول أيضا: ﴿ لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ﴾. إن كلمة " شراب " إذا سمعناها فإننا نفهم منها الري. ولكن الحق هنا يتبع كلمة " شراب " بتحديد مصدر هذا الشراب، إنه " من حميم " ليحدث ما يسمى " انبساط " و " انقباض " فالشيء الذي يسر الإنسان تنبسط له النفس. والشيء الذي يحزن الإنسان تنقبض له النفس. ولو أن الأمر المحزن جاء بداية في هذا القول الكريم لانقبضت النفس في المسار الطبيعي، لكن الحق شاء أن يأتي أولا بكلمة من يسمعها تسر نفسه وهي " شراب " ثم تبعها بما يقبض النفس " من حميم " ليكون الألم ألمين: ألم زوال السرور، وألم مجيء الحزن. ويصور القرآن في موضع آخر هذه الصورة فيقول:

وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه...

[الكهف: 29]. وتنبسط النفس حين تسمع الجزء الأول وهو:

وإن يستغيثوا يغاثوا

[الكهف: 29] ولكنها تنقبض فور سماعها

بمآء كالمهل يشوي الوجوه

[الكهف: 29]. وصورة أخرى عندما يقول الحق:

فبشرهم بعذاب أليم

[التوبة: 34]. وتنبسط النفس - كما علمنا - حينما تسمع خير البشارة لأن البشارة تأتي للأمر المفرح، وتنقبض عندما تعلم أن البشارة هي بالعذاب الأليم. إذن فقد جاء الحق بالانبساط، وجاء بالانقباض. وهذه سنة من سنن الله في التأديب. ومثال على ذلك: عندما يرتكب إنسان مظالم كثيرة، وتفاقم واستفحل شره ويريد الله أن ينتقم منه، إنه سبحانه لا ينتقم منه وهو على حاله الطبيعي، إنما يرفع الحق - سبحانه - هذا الظالم إلى درجات عالية ثم يخسف به الأرض.

ولذلك يقول الحق:

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة...

[الأنعام: 44]. وساعة تسمع ﴿ فتحنا عليهم ﴾ فأنت تخاف لأن الفتح هنا " عليهم " وليس " لهم ". لكنك ساعة تسمع قوله الحق:

إنا فتحنا لك فتحا مبينا

[الفتح: 1]. فإنك تحس بالانشراح والسرور لأن الفتح هنا لصالح المتلقي وليس عليه هكذا يريد الحق أن يصلى المتجبرون العذاب المضاعف: ﴿... لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ﴾ [الأنعام: 70]. والعذاب هنا نتيجة لما فعلوه وليس فعل جبار متسلط. أما غيرهم من المتساوين معهم في الملكات، واختاروا الخير فآمنوا بالمنهج وطبقوه على أنفسهم فقد نالوا الخير بما فعلوا، والتكوين الإنساني في ذاته صالح لفعل الخير ولفعل الشر، وسنة الحق واضحة جلية:

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

[الزلزلة: 7-8]. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ قل أندعوا من دون الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦١٠