تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيآ إلا متاع الغرور

[الحديد: 20]. هذه هي الحياة الدنيا، ولذلك يجب أن نحيا دائما على ضوء ما ينجينا من العذاب وهو ذكر الله، إن الحق سبحانه يقول: ﴿ وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع ﴾ [الأنعام: 70]. والذكر هنا مقصود به التذكير بالقرآن وهو المنهج النازل من السماء وطبقه رسول الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكر أيضا، أو الذكر هنا مقصود به العذاب الذي ينتظر من يخالف المنهج، وقوله الحق: ﴿ وذكر به ﴾ ، يدل على أن منطق الفطرة يقتضي أننا نعرف أن الحق لا يمكن أن يعامل المتقين في الدنيا كما يعامل المنحرفين. ومثال ذلك الإنسان الذي يخوض في أعراض الناس ويظلمهم لا يتصور أبدا -أن يلقى من الحق - سبحانه - المعاملة التي يعامل بها الإنسان الملتزم بمنهج الإيمان فالفطرة تقول لنا: إن الحق يجازي كل إنسان بعمله، سواء أكان الجزاء في الدنيا أم في الآخرة. ومن المأثور عن بعض العرب أنه قال: لن يموت ظلوم حتى ينتقم منه الله. ومن بعد ذلك مات رجل ظلوم ولم ير فيه الناس انتقام السماء، فقال الرجل العربي: والله إن وراء هذه الدار دارا يجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ﴿ وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ﴾ والبسل معناه: المنع، والمنع له صورتان: الأولى منع حركة حياة حي.

. أي أن تحبسه في مكان محدد يتحرك فيه، والثانية: منع من أصل الحياة.. أي أن تهلكه وتزهق روحه، ﴿ تبسل نفس بما كسبت ﴾ أي تمنع نفس بما كسبت، والمنع إما بالهلاك أو بالحبس حبسا يديم عليها العذاب. والحبس - في أعراف البشر - وهو وضع إنسان في مكان لكفه عن ظلم غيره، أي أننا نمنع شرور إنسان عن المجتمع بوضعه في الحبس. وعندما جاء الإسلام لم يحبس فردا إنما حبس المجتمع عن فرد، وهذا عقاب أكبر وأشد فقد ترك الإسلام المجرم حرا في المجتمع ولكنه حبس المجتمع عنه فالمجرم يمشي فلا يجد من يكلمه أو يضحك له أو يفرح معه أو يشاركه حزنه. وحدث ذلك عندما حبس المؤمنون أنفسهم عن ثلاثة تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن إنسانا منهم جاء ليقرب امرأته فرفضت. وحاول ثان أن يسلم على ابن عمه فما رد عليه السلام فجلس يبكي. وقاطع كل الناس هؤلاء الثلاثة، وهذه هي عظمة الإسلام، لقد سجن المجتمع عن المجرم فتعذب المجرم بقطيعة المجتمع له. ﴿ وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ﴾ أي ذكر بالقرآن أو بالمنهج أو بعاقبة مخالفة الإنسان للمنهج. والعقاب إما حبس وإما هلاك، وذلك بسبب ما تكسب النفس. والكسب في اللغة معناه زيادة على رأس المال. وللكلمة اشتقاق ثان وهو " اكتسب ". ومرة تأتي الكلمتان في معنى واحد، فالكسب يحدث دون افتعال ودون تعب أو مشقة، أما الاكتساب فهو يحدث بافتعال وبمعالجة وعنت لأن الذي يصنع المحرم يأخذ أكثر من قدرة ذاته، فيكون قد اكتسب. أما الذي يأخذ الأمر المشروع له فهو قد كسب. ولكن بعض الناس تأخذ ما اكتسبوه باحتيال ومكر ويظنون أنه كسب وهذا هو الشر لأنه يأخذ غير المشروع له ويحلله لنفسه، ويعتبره كسبا لا اكتسابا. ولذلك يقول الحق سبحانه:

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت

[البقرة: 286]. إن " لها " أي لصالح النفس لأنها أخذت ما هو حق لها. و " عليها " أي ضد النفس لأنها افتعلت في أخذ ما ليس حقا لها. ومثال ذلك: نظرة الرجل إلى زوجته، إنها نظرة طيبة إلى حلال طيب. لكن نظرة الرجل إلى امرأة غريبة قد تحتوي من الافتعال الكثير فهو يتلصص ليراها، ولا يرغب في أن يراه أحد وهو يختلس النظر إليها، وهذه كلها انفعالات مفتعلة. ومثال آخر: سيدة البيت عندما تدخل إلى مطبخها فتتناول شيئا لتأكله، إنها تأكل من حلال مال زوجها، أما الخادمة فعندما تريد أن تأخذ قطعة من اللحم من المطبخ دون علم أهل البيت فهي تتلصص، وتحاول معرفة عدد قطع اللحم، وقد تتساءل بينها وبين نفسها: ألم تقم ربة البيت بحصر عدد قطع اللحم؟ ولذلك فهي تأخذ من كل قطعة لحم قطعة صغيرة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٠٩