وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. يعرف أن هؤلاء القوم يستكثرون عليه أن ينزل عليه هذا القرآن العظيم، وفي هذا القول فتنة واختبار لرسول الله، وهو يصبر على ذلك ويمضي إلى إتمام البلاغ عن الله ولا يلتفت إلى ما يقولون، بل يأخذ هذا دليلا على قوة المعجزة الدالة على صدق رسالته. والجماعة التي استكبرت وطلبت طرد المستضعفين هم فتنة للمستضعفين، والمستضعفون فتنة لهم، فلو أن الإيمان قد اختمر في نفوس المستكبرين لما استكبروا أن يسبقهم الضعاف إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فكلنا يفتن بعضنا بعضا. وكل إنسان عندما يرى موهوبا بموهبة لا توجد لديه فليعلم أنها فتنة له وعليه أن يقبلها ويرضى بها في غيره. وما عبد الله بشيء خيرا من أن يحترم خلق الله قدر الله في بعضهم بعضا، ولذلك يختبرنا الحق جميعا، فإن كنت مؤمنا بالله فاحترم قدر الله في خلق الله حتى يجعل الله غيرك من الناس يحترمون قدر الله فيك. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ [الأنعام: 53]. ووجه الفتنة هنا أن قوما طلبوا طرد المستضعفين وقالوا كما حكى الله عنهم: ﴿ أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ ﴾؟ كأنهم تساءلوا عن المركز الاجتماعي للمستضعفين من المؤمنين، ويأتيهم الرد من الله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾. فسبحانه هو العليم أزلا بالبشر، ولا يقترح عليه أحد ما يقرره. وقد سبق للذين كفروا أن قالوا:
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. وجاءهم الرد من الحق سبحانه وتعالى فقال:
أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا
[الزخرف: 32]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لم يضع مفاتيح الرسالة في أيدي المشركين أو غيرهم، ليوزعوا هم الأمور ويقوموا بتدبير الأمر. بل هو سبحانه وتعالى الذي يوزع المواهب في البشر رزقا منه ليعتمد كل إنسان على الآخرين في مواهبهم التي يعجز عنها، ويعتمد عليها الآخرون في موهبته التي يعجزون عنها. ومسألة النبوة هي اصطفاء إلهي يكبر ويسمو على كل مقامات الدنيا. ويدل السياق إذن على أن بعضا من كبار العرب طلبوا أن يطرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضا من المستضعفين، فأراد الله أن يطمئن المستضعفين بشيء عجل لهم به في الدنيا وإن كان قد جعله لبقية المؤمنين في الآخرة. لذلك يقول الحق: ﴿ وإذا جآءك الذين يؤمنون... ﴾.