[الشعراء: 16-17]. أصدر الحق الأمر إلى موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون ليرسل معهما بني إسرائيل، فماذا عن موقف فرعون؟. ماذا قال فرعون؟:
قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين
[الشعراء: 18-19]. هنا يريد فرعون أن يمتن على موسى عليه السلام، ويذكره بأنه رباه في قصره إلى أن كبر ومع ذلك لم يرع موسى ذلك وقتل رجلا من قوم فرعون، وكان ذلك في نظر فرعون لونا من الجحود بنعمته، وها هوذا يعتدي مرة أخرى على ألوهية فرعون بدعوته للإيمان بالإله الحق الذي لا يتخيله الفرعون، ويلتقط موسى الخطأ الجوهري في سلوكه في ذلك الوقت. إن الخطأ لم يكن الكفر بفرعون، ولكن الخطأ كان هو القتل فيقول:
قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين
[الشعراء: 20]. وهكذا نعرف أن موسى لحظة قتله رجلا من عدوه لم يكن عنده طريق الهدى، بل كان ضلاله حاصلا من عدم معرفته أن هناك طريقا آخر إلى الهدى. وهاهوذا الحق سبحانه وتعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7]. أي لم يكن عندك يا رسول الله طريق واضح إلى الهدى قبل الرسالة، فليس معنى الضلال هنا الانحراف، ولكن معناه أنه قبل نزول الوحي لم يكن يعرف أي طريق يسلك.
وقد يكون الضلال نسيانا، وما دام الإنسان قد نسي الحقيقة فهو ضال، والمثال قول الحق:
أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى
[البقرة: 282]. هنا يقرر الحق أن شهادة المرأة تحتاج إلى ضمان وذلك بتأكيدها بشهادة امرأة أخرى لأن المرأة بحكم تكوينها لا تستطيع أن تضع أنفها في كل تفاصيل ما تراه، بل هي تسمع سمعا سطحيا، ولذلك لا تكتمل الصورة عندها، وعندما تجتمع مع شهادة المرأة شهادة امرأة أخرى، فكل منهما تذكر الأخرى بتفاصيل قد تكون في منطقة النسيان لأن نفسية المرأة وطبيعة تكوينها مبنية على الصيانة والتحرز من أن توجد في مجتمع فيه شقاق. وعندما يصف الحق هؤلاء المشركين في يوم القيامة فهو يقول: ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي غاب عنهم ما كانوا يكذبون ويدعون أنهم شركاء لله، والمشركون هم المؤاخذون والمحاسبون على اتخاذ الشركاء، فقد يكون بعضهم قد اتخذ شريكا لله لا ذنب له في تلك المسألة، كاتخاذ بعضهم عيسى عليه السلام شريكا لله. وعيسى عليه السلام منزه عن أن يشرك بالله أو يشرك نفسه في الألوهية. والحق قد قال:
وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب
[المائدة: 116]. بل إن الأصنام نفسها التي اتخذها المشركون أربابا تقول: عبدونا ونحن أعبد الله من القائمين بالأسحار. إذن فالخطأ يكون ممن أشركوا بالله لا من الأحجار العابدة لله المسبحة له لأنها مسخرة وميسرة لما خلقت له. لقد تخيل أحد الشعراء حوارا دار بين غار ثور وغار حراء، يقول غار ثور:
كم حسدنا حراء حين ثوى الرو
ح أمينا يغزوك بالأنوار
وعندما أذن الحق بالهجرة اختبأ النبي بغار ثور، فقالت بقية الأحجار:
فحراء وثور صارا سواء
بهما أشفع لدولة الأحجار
عبدونا ونحن أعبد لله
من القائمين بالأسحار
تخذوا صمتنا علينا دليلا
فغدونا لهم وقود النار
قد تجنوا جهلا كما قد تجن
وه على ابن مريم والحواري
للمغالي جزاؤه والمغالي
فيه تنجيه رحمة الغفار
إذن، فهاهي ذي الحجارة تقول: إنها بريئة من الشرك بالله وهي أعبد لله من القائمين بالأسحار، وصمت الحجارة الظاهر اتخذه البعض دليلا على أن الحجارة رضيت بأن يعبدوها، لكن الحجارة تصير هي أحجار جهنم المعدة لمن كفر بالله، وكان التجني من العباد على الأحجار مثل التجني على عيسى ابن مريم. والذين غالوا في عبادة الأحجار أو البشر لهم عقاب، أما الأحجار والبشر الذين لا ذنب لهم في ذلك فهم طامعون في مغفرة الله ورحمته. إذن فالضلال هنا يكون ضلال الذين اتخذوا شريكا لله. ولكن الشريك المتخذ لا يقال له: ضل إلا على معنى أنه غاب عنهم في يوم كان أملهم أن يكون معهم ليحميهم من عذاب الله. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ومنهم من يستمع إليك... ﴾.