أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين
[الواقعة: 71-73]. ويذكرنا هنا سبحانه بأنه الذي خلق النار التي نشعلها، وقد جاء بالمصدر الأول للوقود، وهي الأخشاب التي كانت أشجارا خضراء وبعد ذلك جفت وصارت أخشابا نوقدها ونشعل فيها النار. وفي كل ذلك تتجلى لنا قدرة الحق سبحانه وتعالى، فنسبح باسمه العظيم:
فسبح باسم ربك العظيم
[الواقعة: 74]. وننزهه سبحانه وتعالى عن أن يكون له شريك في أمور الخلق والكون. إذن فعندما يقول الحق سبحانه مبلغا رسوله: ﴿ قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ﴾ [الأنعام: 14]. هذا السؤال يجبرنا على أن ندير أمر اختيار الولي في رءوسنا وأن نعمل أفكارنا، وأن نعرف أن اتخاذ الولي أمر وارد على النفس البشرية، ولكن من الذي يستحق أن نتخذه وليا؟ ونجد في تربية الحق لنا ما يعيننا على استنباط الفكرة السليمة والرأي الرشيد حين يقول لنا:
وتوكل على الحي الذي لا يموت
[الفرقان: 58]. ونعلم أن الإنسان لو اتخذ وليا من البشر فهذا عرضة للموت، فتحس أيها الإنسان أنك وحيد في هذا الكون، ولكنك عندما تتوكل على الله فهو حي لا يموت أبدا، وهو سبحانه: ﴿ فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم ﴾ وهو الذي خلق السماوات والأرض على غير مثال، وهو الذي يطعمنا من مطمور كنوز الأرض التي أرادها قوتا لنا. ولماذا جاء الحق هنا بمسألة الطعام؟ إن الطعام لون من الرزق، والرزق - كما نعلم - رزق ينتفع به مباشرة ورزق يأتي لنا بما ننتفع به مباشرة. فلو إن إنسانا في صحراء ومعه جبل من الذهب الخالص ولم يجد كوب من ماء ولا رغيف خبز، فجبل الذهب لا يساوي شيئا. إن جبل الذهب رزق ولكن لا ينتفع به مباشرة. والرزق الذي ننتفع به مباشرة هو الطعام والشراب والكسوة. ونحن نحتاج إلى الطعام والشراب كل يوم، ونحتاج إلى ملابس جديدة مرة كل ستة أشهر في المتوسط. إذن فالرزق المباشر هو المقوم الأساسي للحياة. والولي الذي ينصر لا بد أن تتوافر فيه القدرة على الإطعام الذي يمدنا بالقدرة التي هي أساس الحياة إنها طاقة استمرار الإنسان على الأرض. فالأم تطعم طفلها وهي تطعم أيضا بما يأتيها زوجها من طعام. والحق سبحانه وتعالى وحده هو الذي يطعم كل الخلق ولا يطعمه أحد.. وحينما نسلسل كل عطاء في الدنيا نجده يئول إلى الله تعالى. إذن فلا تجعل وليك في الوسائط، بل اجعله في الغايات لأن الوسائط كلها راجعة في الحقيقة إلى الله، ويأتي الأمر من الحق لرسوله: ﴿ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ﴾. وهذا الأمر يجيء من الآمر الأعلى وهو الله. فالرسول لم يقل: إن هذا الأمر منه لأنه بشر مثلنا، وسبحانه أبلغ رسولنا أن يكون هو أول من أسلم، وأن ينال شرف الالتزام بمبادئ الإسلام، والمثال على ذلك أن كل قائد مسلم هو القدوة لغيره، فها هو ذا طارق بن زياد الذي فتح الأندلس وهي ملك عريض، ونزل من السفن وقال لجنوده: أنا لم آمركم أمرا عنه بنجوة - أي أنا بعيد عنه - بل أنا معكم، واعلموا أني عندما يلتقي الجمعان حامل بنفسي على طاغية القوم " لزريق " فقاتله إن شاء الله. إنه لم يأمر بأمر لم يطبقه على نفسه، بل طبقه على نفسه أولا، وآفة الأوامر أن كل إنسان يأمر أمرا ولا يطبقه على نفسه. ومن قبل ذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد حكم نفسه أولا فحكم الدنيا، لقد جمع أقاربه أولا وقال لهم: إني سأشرع للمسلمين، والذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء فيه لأجعلنه نكالا للمسلمين.
لقد أراد عمر - رضوان الله عليه - أن يحكم أقاربه أولا ضاربا المثل لولي أي أمر ليحكم أقاربه أولا، وأن يحذرهم أن يستغلوا اسمه، ليستقيم الأمر بين المسلمين لأن الآفة أننا نجد الكثير من الناس تتكلم في الإسلام، ويريد كل إنسان من غيره أن يكونوا مسلمين بينما هو لا يطبق على نفسه مبادئ الإسلام. والحق سبحانه وتعالى أنزل لرسوله الأمر: ﴿ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ﴾. ومعنى " أسلم " أي ألقى زمام حياته إلى من يثق في حكمته وعدله وهو الحق سبحانه وتعالى. وعندما كنا صغارا كنا نلقي زمام أمورنا لمن يتولى تربيتنا، ونرى الآباء والأمهات وهم يتعبون ويشقون، نطيع أوامرهم إلى أن نصل إلى المراهقة فتنمو فينا الذاتية، ونجد المراهق وهو يرفض مثلا ارتداء البنطلون القصير ويرتدي البنطلون الطويل. ويختار ألوان ملابسه في ضوء الأزياء الحديثة السائدة. وبعد ذلك يبدأ الشاب في إدارة أموره بنفسه. وآفة حياتنا أننا نهمل تربية الأبناء وهم صغار، ثم نأتي لنقول: هيا لنربي الشباب متناسين أن الشباب مرحلة تمتلئ بطاقة يمكن أن يستغلها المجتمع، والتربية السليمة زمانها الطفولة. ﴿ قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ﴾. وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل عن رب العزة، ويخبرنا أنه صلى الله عليه وسلم أول المسلمين، وأنه تلقى الأمر بعدم الشرك بالله. فإياكم أيها المسلمون أن تتعاظموا على مثل هذا الأمر لأن المصطفى المختار هو أول من أمره الحق بذلك، وإياك أيها المسلم أن تجد غضاضة في أن تتلقى أمرا من خالقك لأن الغضاضة قد تأتيك عندما يصدر إليك أمر من مساو لك، لكن التوجيه الصادر من الحق لا بد أن يلزمك وترتضيه نفسك ويطمئن به قلبك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجهد نفسه عندما يقابل حادثة ليس فيها حكم الله، ويأتي الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم من عنده، فإن كان الحكم صحيحا فإن الحق ينزل من القرآن ما يؤكده، وإن احتاج الحكم إلى تعديل، فإن الحق سبحانه ينزل التعديل اللازم للحكم، ويبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعديل الحق سبحانه وتعالى له ولا يجد غضاضة في ذلك، بل يبلغنا ببشاشة وصدق وأمانة أنه البلاغ عن الله. والحق سبحانه وتعالى قد من على رسوله صلى الله عليه وسلم عندما لم يعدل في الحكم احتراما لاجتهاده صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه: