تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الملك: 3]. فالحق لا يعجز عن شيء، وهو الخالق لسبه سماوات بإتقان بعضها فوق بعض، فلا يرى الناظر أي خلل في هذا الخلق، وليعد الإنسان النظر إلى السماء فلن يجد أي خلل من شقوق أو فروق.

و " فطور " هنا معناها شقوق. إذن فالحق - بتمام قدرته - يعطي الشيء من الصفات ما يجعله صالحا لأداء ما خلق له فلا يظنن ظان أنه خرج عن قدرة خالقه - سبحانه - وخلق السموات والأرض بتمام إبداع وإحكام، وهو القادر على أن يفطرهما ويجعلهما غير صالحتين في أي وقت شاء، ومثلهما الشمس تكور، والنجوم تطمس، والجبال تنسف. وقال عالم من العلماء: ما فهمت كلمة " فاطر " إلا حين جاء أعرابي، وقال فلان ينازعني في بئر أنا فطرته. أي أن الأعرابي هو الذي بدأ حفر البئر. إذن فاطر السموات والأرض.. أي الذي خلقهما على غير مثال. وسبحانه وتعالى القائل:

أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من المآء كل شيء حي أفلا يؤمنون

[الأنبياء: 30]. وهذا القول الحكيم لم يصل إلى فهمه العميق من سبقونا، لكن إنسان هذا العصر الذي نعيشه فهمها بعد أن توصل العلماء إلى أن السموات والأرض كانتا كتلة واحدة وفصلهما الحق بإرادته. وجعل من الماء حياة لكل كائن حي. إذن هو سبحانه قادر على كل شيء، ولا يخرج شيء عن نطاق قدرته. وهو سبحانه قبل أن يمتن علينا بخلق الحياة فهو يحذرنا أن يأخذنا الغرور بهذه الحياة، ولذلك قال:

تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور

[الملك: 1-2]. وكأنه ينبه الإنسان إلى أن يستقبل الحياة، ليعرف أنه سبحانه أوجد ناقض الحياة وهو الموت، فإياك أن تأخذ الحياة على أنها تعطيك قوة الحركة والإدراك والإرادة برتابة وأبدية لأن هناك ناقض الحياة وهو الموت. وها هو ذا سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم:

أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون

[الواقعة: 58-61]. والإنسان لا يرى الحيوانات المنوية المقذوفة منه في رحم زوجه، ولا أحد يقدر على ذلك ويرعاه حتى يصير جنينا ثم بشرا، ولكن الحق هو المقدر والخالق، إنه القادر الذي أعطانا الحياو وقدر علينا الموت ولا غالب له، إنه يبدل صورنا حين يريد، ويخلق غيرنا وينشئنا في صور لا نعرفها، وهو الواهب للحياة، وهو الذي ينزعها بالموت. ويقول لنا:

أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون

[الواقعة: 63-64]. هنا ينبهنا جل وعلا إلى أن الزرع الذي نأكله، والثمار التي نجنيها من الأرض ليس لنا فيها إلا إلقاء البذور، وهو سبحانه الذي أودع في البذرة عجائب مختزنة، ففي البذرة ما يقيتها إلى أن يوجد لها جذير يمتص غذاءها من الأرض، فتنمو لها ساق، ثم تقوى الجذور، وتشتد الساق.

ولا عمل للإنسان إلا إلقاء البذرة وحرث الأرض. ومع ذلك احترم الحق عمل الإنسان فقال:

أفرأيتم ما تحرثون

[الواقعة: 63]. وعن الماء يقول الحق:

أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون

[الواقعة: 68-70]. هذا الماء العذب الذي نشربه إنما أنزله الله من السحاب الممطر، وعملية الإمطار هذه غاية في التعقيد. والماء الساري في الأنهار إنما جاء من المطر الذي تم إنزاله من السماء. فقد أرسل الحق أشعة الشمس لتبخر الماء من البحار، وتتجمع في سحب ثم يجري الله عليها أمره من مرور تيارات هواء باردة فتسقط مطرا. ونحن عندما نقطر كوب ماء في معمل، نأتي بموقد وإناء ووقود، ونضع الماء المراد تقطيره فيتبخر، ثم نكثف قطرات البخار بواسطة تيار من الهواء البارد. ومثل هذه العملية تكلفنا الكثير من العمل الذهني والمادي لبناء مثل هذا الجهاز حتى نقطر كوبا من الماء، فما بالنا بالمطر الذي ينزل مدرارا وسيولا. إننا نجد ثلاثة أرباع الكرة الأرضية من ماء، إنه - سبحانه - بسطه على رقعة واسعة، حتى يسهل البخر. وإذا ما نثرنا كوب ماء على سطح متسع في أبرد مكان فلسوف يتبخر. وهذا الانتشار المسطح للمياه هو الذي يسهل عملية البخر. ويصعد البخار من مياه المحيطات والبحر إلى أعالي الجو ثم يتكثف في صورة قطرات صغيرة من الماء تتساقط كمطر يتفاوت من منطقة إلى أخرى. وسبحانه قد أعد لكل أمر عدته. وهو أيضا القادر على أن يذهب صلاح هذا الماء. ويقول لنا الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٢٥