11.77
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن لوطا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءته رسل ربه من الملائكة حصلت له بسبب مجيئهم مساءة عظيمة ضاق صدره بها، وأشار في مواضع متعددة إلى أن سبب مساءته وكونه ضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب أنه ظن أنهم ضيوف من بني آدم كما ظنه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. وظن أن قومه ينتهكون حرمة ضيوفه فيفعلون بهم فاحشة اللواط، لأنهم إن علموا بقدوم ضيف فرحوا واستبشروا به ليفعلوا به الفاحشة المذكورة - من ذلك قوله هنا
وجآءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد
هود 78 - 79. وقوله في الحجر
وجآء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا أولم ننهك عن العالمين قال هؤلآء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون
الحجر 67 - 72. وقوله ﴿ يهرعون ﴾ أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، ومنه قول مهلهل
فجاؤوا يهرعون وهم أسارى تقودهم على رغم الأنوف
وقوله ﴿ ولا تخزون ﴾ أي لا تهينون ولا تذلون بانتهاك حرمة ضيفي. والاسم منه الخزي - بكسر الخاء وإسكان الزاي-. ومنه قول حسان في عتبة بن أبي وقاص
فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق
وقال بعض العلماء قوله ﴿ ولا تخزون ﴾ من الخزاية، وهي الخجل والاستحياء من الفضيحة. أي لا تفعلوا بضيفي ما يكون سببا في خجلي واستحيائي، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا وحشيا تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل.
حتى إذا دومت في الأرض راجعة كر ولو شاء نجى نفسه الهرب خزاية أدركته بعد جولته من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
يعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف من الهرب فكر راجعا إليها. ومنه قوله الآخر
أجاعلة أم الثوير خزاية على فراري أن لقيت بني عبس
والفعل منه خزي يخزى، كرضى يرضى. ومنه قول الشاعر
من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مرطها أو زايل الحلي جيدها
وقول الآخر
وإني لا أخزى إذا قيل مملق سخى وأخزى أن يقال بخيل
وقوله
لعمرك
الحجر 72 معناه أقسم بحياتك. والله جل وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك من التشريف له صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى. ولا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير الله، لقوله صلى الله عليه وسلم
" من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ".
وقوله ﴿ لعمرك ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي لعمرك قسمى وسمع عن العرب تقديم الراء على اللام في لعمرك فتقول فيها رعملك، ومنه قول الشاعر
رعملك إن الطائر الواقع الذي تعرض لي من طائر لصدوق
وقوله
لفي سكرتهم
الحجر 72 أي عماهم وجهلهم وضلالهم. والعمه عمى القلب، فمعنى
يعمهون
الحجر 72 يترددون متحيرين لا يعرفون حقا من باطل، ولا نافعا من ضار، ولا حسنا من قبيح. واختلف العلماء في المراد بقول لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
هؤلاء بناتي
هود 78 في الموضعين على أقوال أحدها - أنه أراد المدافعة عن ضيفه فقط، ولم يرد إمضاء ما قال، وبهذا قال عكرمة وأبو عبيدة. الثاني - أن المراد بناته لصلبه، وأن المعنى دعوا فاحشة اللواط وأزوجكم بناتي. وعلى هذا فتزويج الكافر المسلمة كان جائزا في شرعه، كما كانت بنات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تحت الكفار في أول الإسلام كما هو معروف. وقد أرسلت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدها الذي زفتها به أمها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها إلى زوجها أبي العاص بن الربيع، أرسلته إليه في فداء زوجها أبي العاص المذكور لما أسره المسلمون كافرا يوم بدر، والقصة مشهورة، وعقدها الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازية بقوله في غزوة بدر