11.28
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح أنه قال لقومه ﴿ أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن كنت على بينة من ربي ﴾ أي على يقين ونبوة صادقة لا شك فيها، وأعطاني رحمة منه مما أوحى إلي من التوحيد والهدى، فخفي ذلك كله عليكم، ولم تعتقدوا أنه حق، أيمكنني أن ألزمكم به، وأجبر قلوبكم على الانقياد والإذعان لتلك البينة التي تفضل الله علي بها، ورحمني بإيتائها، والحال أنكم كارهون لذلك؟ يعني ليس بيدي توفيقكم إلى الهدى وإن كان واضحا جليا لا لبس فيه، إن لم يهدكم الله جل وعلا. وهذا المعنى صرح به جل وعلا عن نوح أيضا في هذه السورة الكريمة بقوله
ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم
هود 34 الآية.
11.29
قوله تعالى ﴿ ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه أخبر قومه أنه لا يسألهم مالا في مقابلة ما جاءهم به من الوحي والهدى، بل يبذل لهم ذلك الخير العظيم مجانا من غير أخذ أجرة في مقابله. وبين في آيات كثيرة أن ذلك هو شأن الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كقوله في سبأ عن نبينا صلى الله عليه وسلم
قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله
سبأ 47 الآية. وقوله فيه أيضا في آخر صا
قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين
صا 86. وقوله في الطور والقلم
أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون
الطور 40. وقوله في الفرقان
قل مآ أسألكم عليه من أجر إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا
الفرقان 57. وقوله في الأنعام
قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين
الأنعام 90. وقوله عن هود في سورة هود
يقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني
هود 51 الآية. وقوله في الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام
ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين
الشعراء 109. وقوله تعالى عن رسل القرية المذكورة في يس
اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا
يس 20 -21 الآية. وقد بينا وجه الجمع بين هذه الآيات المذكورة وبين قوله تعالى
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
الشورى 23 في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " في سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى
قل ما سألتكم من أجر فهو لكم
سبأ 47. ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانا من غير أخذ عوض ذلك، وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم العقائد والحلال والحرام. ويعتضد ذلك بأحاديث تدل على نحوه، فمن ذلك ما رواه ابن ماجه والبيهقي والروياني في مسنده عن أبي ابن كعب رضي الله عنه قال علمت رجلا القرآن، فأهدى لي قوسا، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال
" إن أخذت قوسا من نار "
فرددتها. قال البيهقي وابن عبد البر في هذا الحديث هو منقطع، أي بين عطية الكلاعي وأبي بن كعب، وكذلك قال المزي. وتعقبه ابن حجر بأن عطية ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأعله ابن القطان بأن رواية عن عطية المذكور هو عبد الرحمن بن سلم وهو مجهول. وقال فيه ابن حجر في التقريب. شامي مجهول. وقال الشوكاني في نيل الأوطار وله طرق عن أبي. قال ابن القطان لا يثبت منها شيء قال الحافظ وفيما قاله نظر. وذكر المزي في الأطراف له طرقا منها أن الذي أقرأه أبي هو الطفيل بن عمرو، ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن الطفيل بن عمرو الدوسي قال. أقرأني أبي بن كعب القرآن فأهديت له قوسا فغدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقلدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم
" تقلدها من جهنم "