وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم. قاله ابن قدامة في المغني. واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت يارسول الله، إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال ما عندي إلا إزاري. فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك " ، فالتمس شيئا فقال ما أجد شيئا، فقال " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " هل معك من القرآن شيء؟ قال نعم، سورة كذا وكذا يسميها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " قد زوجتكها بما معك من القرآن " وفي رواية " قد ملكتكها بما معك من القرآن "
فقالوا هذا الرجل أباح له النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل تعليمه بعض القرآن لهذه المرأة عوضا عن صداقها. وهو صريح في أن العوض على تعليم القرآن جائز. وما رد به بعض العلماء الاستدلال بهذا الحديث من أنه صلى الله عليه وسلم زوجه إياها بغير صداق إكراما له لحفظه ذلك المقدار من القرآن، ولم يجعل التعليم صداقا لها - مردود بما ثبت في بعض الروايات في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
" انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن "
وفي رواية لأبي داود
" علمها عشرين آية وهي امرأتك ".
واحتجوا أيضا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس
" إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله "
قالوا الحديث وإن كان واردا في الجعل على الرقيا بكتاب الله فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. واحتمال الفرق بين الجعل على الرقية وبين الأجرة على التعليم ظاهر. قال مقيدة - عفا الله عنه - الذي يظهر لي والله تعالى أعلم، أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضا على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال والحرام للأدلة الماضية. وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين. لأن الظاهرأن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة. والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل التعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام. والعلم عند الله تعالى.