38.28
أم في قوله: أم نجعل الذين، وقوله، أم نجعل المتقين، كلتاهما، منقطعة وأم المنقطعة، فيها لعلماء العربية ثلاثة مذاهب:
الأول: أنها بمعنى همزة استفهام الإنكار.
الثاني: أنها بمعنى بل الإضرابية.
والثالث: أنها تشمل معنى الإنكار والإضراب معا، وهو الذي اختاره بعض المحققين.
وعليه فالإضراب بها هنا انتقالي لا إبطالي ووجه الإنكار بها عليهم واضح، لأن من ظن بالله الحكيم الخبير، أنه يساوي بين الصالح المصلح، والمفسد الفاجر، فقد ظن ظنا قبيحا جديرا بالإنكار.
وقد بين جل وعلا هذا المعنى، في غير هذا الموضع، وذم حكم من يحكم به، وذلك في قوله تعالى في سورة الجاثية:
أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون
[الجاثية: 21].
38.29
قوله تعالى: كتاب خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب، وقد ذكر جل وعلا، في هذه الآية الكريمة، أنه أنزل هذا الكتاب، معظما نفسه جل وعلا، بصيغة الجمع، وأنه كتاب مبارك وأن من حكم إنزاله، أن يتدبر الناس آياته، أي يتفهموها ويتعقلوها ويمعنوا النظر فيها، حتى يفهموا ما فيها من أنواع الهدى، وأن يتذكر أولوا الألباب، أي يتعظ أصحاب العقول السليمة، من شوائب الاختلال.
وكل ما ذكره في هذه الآية الكريمة جاء واضحا في آيات أخر.
أما كونه جل وعلا، هو الذي أنزل هذا القرآن، فقد ذكره في آيات كثيرة كقوله تعالى:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] وقوله تعالى:
إنآ أنزلناه في ليلة مباركة
[الدخان: 3] وقوله تعالى:
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات
[آل عمران: 7]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وأما كون هذا الكتاب مباركا، فقد ذكره في آيات من كتابه كقوله تعالى:
وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه
[الأنعام: 9] الآية. وقوله تعالى:
وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون
[الأنعام: 155]. والمبارك كثير البركات، من خير الدنيا والآخرة.
ونرجو الله القريب المجيب، إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك، أن يجعلنا مباركين أينما كنا، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا ببركاته العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يعم جميع إخواننا المسلمين، الذين يأتمرون بأوامره بالبركات والخيرات، في الدنيا والآخرة، إنه قريب مجيب.
وأما كونه تدبر آياته، من حكم إنزاله: فقد أشار إليه في بعض الآيات، بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى:
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ
[محمد صلى الله عليه وسلم: 24]. وقوله تعالى:
أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
[النساء: 82] وقوله تعالى:
أفلم يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين
[المؤمنون: 68].
وأما كون تذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله، فقد ذكره في غير هذا الموضع، مقترنا ببعض الحكم الأخرى، التي لم تذكر في آية ص هذه كقوله تعالى في سورة إبراهيم
هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب
[إبراهيم: 52] فقد بين في هذه الآية الكريمة، أن تذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله مبينا منها حكمتين أخريين، من حكم إنزاله، وهما إنذار الناس به، وتحقيق معنى لا إله إلا الله، وكون إنذار الناس وتذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله، ذكره في قوله تعالى:
المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين
[الأعراف: 12] لأن اللام في قوله لتنذر، متعلقة بقوله: أنزل، والذكرى اسم مصدر بمعنى التذكير، والمؤمنون في الآية لا يخفى أنهم هم أولوا الألباب.
وذكر حكمة الإنذار في آيات كثيرة كقوله:
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا