38.18-19
قوله تعالى: ﴿ إنا سخرنا الجبال معه ﴾ إلى قوله: ﴿ أواب ﴾.
وقد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى:
وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين
[الأنبياء: 79] الآية.
38.24-25
قوله تعالى: ﴿ وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك ﴾ الآية.
قد قدمنا الكلام على مثل هذه الآية، من الآيات القرآنية التي يفهم منها صدور بعض الشيء، من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وبينا كلام أهل الأصول في ذلك في سورة طه، في الكلام على قوله تعالى:
وعصى ءادم ربه فغوى
[طه: 121].
واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معول عليه، وما جاء منه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء.
38.26
قوله تعالى: ﴿ يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ﴾ الآية.
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ ، قد بينا الحكم الذي دل عليه، في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى:
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ﴾ قد أمر نبيه داود فيه، بالحكم بين الناس بالحق ونهاه فيه عن اتباع الهوى، وأن اتباع الهوى، علة للضلال عن سبيل الله، لأن الفاء في قوله فيضلك عن سبيل الله تدل على العلية.
وقد تقرر في الأصول، في مسلك الإيماء والتنبيه، أن الفاء من حروف التعليل كقوله: سهى فسجد، وسرق فقطعت يده، أو لعلة السهو في الأول، ولعلة السرقة في الثاني، وأتبع ذلك بالتهديد الشديد لمن اتبع الهوى، فأضله ربنا عن سبيل الله، في قوله تعالى بعده يليه:
إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب
[ص: 26].
ومعلوم أن نبي الله داود، لا يحكم بغير الحق، ولا يتبع الهوى، فيضله عن سبيل الله، ولكن الله تعالى، يأمر أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، وينهاهم، ليشرع لأممهم.
ولذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم، بمثل ما أمر به داود، ونهاه أيضا عن مثل ذلك، في آيات من كتاب الله كقوله تعالى:
وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط
[المائدة: 42]. وقوله تعالى:
وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك
[المائدة: 49] وكقوله تعالى:
ولا تطع الكافرين والمنافقين
[الأحزاب: 1و 48] وقول تعالى:
ولا تطع منهم آثما أو كفورا
[الإنسان: 24] وقوله تعالى:
ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه
[الكهف: 28] الآية.
وقد قدمنا الكلام على هذا، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى:
لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا
[الإسراء: 22].
وبينا أن من أصرح الأدلة القرآنية الدالة على أن النبي يخاطب بخطاب، والمراد بذلك الخطاب غيره يقينا قوله تعالى:
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما
[الإسراء: 23] الآية، ومن المعلوم أن أباه صلى الله عليه وسلم توفي قبل ولادته، وأن أمه ماتت وهو صغير، ومع ذلك فإن الله يخاطبه بقوله تعالى:
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما
[الإسراء: 23] ومعلوم أنه لا يبلغ عنده الكبر أحدهما، ولا كلاهما لأنهما قد ماتا قبل ذلك بزمان.
فتبين أن أمره تعالى لنبيه ونهيه له في قوله
فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة
[الإسراء: 2324] الآية: إنما يراد به التشريع على لسانه لأمته، ولا يراد به هو نفسه صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا هناك أن من أمثال العرب. إياك أعني واسمعي يا جارة، وذكرنا في ذلك رجز سهل بن مالك الفزاري الذي خاطب به امرأة، وهو يقصد أخرى وهي أخت حارثة بن لأم الطائي وهو قوله: