قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ
[ق: 4] إذ المعنى أن ما أكلته الأرض، من لحومهم، ومزقه من أجسامهم، وعظامهم، يعلمه جل وعلا، لا يخفى عليه منه شيء فهو قادر على رده كما كان.
وإحياء تلك الأجساد البالية، والشعور المتمزقة، والعظام النخرة كما قدمنا موضحا بالآيات القرآنية، في سورة يس في الكلام على قوله تعالى
ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون
[يس: 51] وكونه صلى الله عليه وسلم مرسل من الله حقا، يستلزم استلزاما لا شك فيه، أن القرآن العظيم منزل من الله حقا وأنه ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين.
ولذلك أقسم تعالى، في مواضع كثيرة، على أن القرآن أيضا منزل من الله كقوله تعالى في أول سورة الدخان
حم والكتاب المبين إنآ أنزلناه في ليلة مباركة
[الدخان: 13] الآية، وقوله تعالى في أول سورة الزخرف:
حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم
[الزخرف: 14]
38.2
قد قدمنا الكلام قريبا على الإضراب ببل في هذه الآية.
وقوله تعالى هنا في عزة أي حمية واستكبار عند قبول الحق، وقد بين جل وعلا في سورة البقرة أن من أسباب أخذ العزة المذكورة بالإثم للكفار أمرهم بتقوى الله، وبين أن تلك العزة التي هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق من أسباب دخولهم جهنم، وذلك في قوله تعالى عن بعض الكفار الذين يظهرون غير ما يبطنون
وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد
[البقرة: 206].
والظاهر أن وجه إطلاق العزة على الحمية والاستكبار: أن من اتصف بذلك كأنه ينزل نفسه منزلة الغالب، القاهر، وإن كان الأمر ليس كذلك، لأن أصل العزة في لغة العرب الغلبة والقهر، ومنه قوله تعالى:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
[المنافقون: 8] الآية، والعرب يقولون: من عز بز، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء:
كأن لم يكونوا حمى يحتشى
إذ الناس ذاك من عز بزا
وقوله تعالى عن الخصم الذين تسوروا على داود: وعزني في الخطاب أي غلبني: وقهرني في الخصومة.
والدليل من القرآن على أن العزة التي أثبتها الله للكفار في قوله: ﴿ بل الذين كفروا في عزة وشقاق ﴾ [ص: 2] الآية. وقوله:
أخذته العزة بالإثم
[البقرة: 206] الآية، ليست هي العزة التي يراد بها القهر والغلبة بالفعل، أن الله خص بهذه العزة المؤمنين دون الكافرين والمنافقين، وذلك في قوله تعالى:
يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
[المنافقون: 8].
ولذلك فسرها علماء التفسير، بأنها هي الحمية والاستكبار، عن قبول الحق.
والشقاق: هي المخالفة، والمعاندة كما قال تعالى:
وإن تولوا فإنما هم في شقاق
[البقرة: 137] الآية. قال بعض العلماء: وأصله من الشق الذي هو الجانب، لأن المخالف المعاند، يكون في الشق أي في الجانب الذي ليس فيه من هو مخالف له ومعاند.
وقال بعض أهل العلم: أصل الشقاق من المشقة لأن المخالف المعاند يجتهد في إيصال المشقة إلى من هو مخالف معاند.
وقال بعضهم: أصل الشقاق من شق العصا وهو الخلاف والتفرق.