وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه
[فصلت: 26] الآية. فترى بعضهم ينهى بعضا عن سماعه، ويأمرهم باللغو فيه، كالصياح والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق، ومحاولتهم أن يغلبوا الحق بالباطل.
وفي الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: قوله: ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ يفهم من مفهوم مخالفته، أن قليلا من الكفار، ليسوا كارهين للحق. وهذا السؤال وارد أيضا على آية الزخرف التي ذكرنا آنفا، وهو قوله تعالى:
ولكن أكثركم للحق كارهون
[الزخرف: 78].
والجواب عن هذا السؤال: هو ما أجاب به بعض أهل العلم بأن قليلا من الكفار. كانوا لا يكرهون الحق، وسبب امتناعهم عن الإيمان بالله ورسوله ليس هو كراهيتهم للحق، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم، وأن يقولوا صبأوا وفارقوا دين آبائهم، ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه لا يكره الحق، الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته كما قدمنا في شعره في قوله:
اصدع بأمرك ما عليك غضاضة
الأبيات وقال فيها،
ولقد علمت بأن دين محمد
من خير أديان البرية دينا
وقال فيه صلى الله عليه وسلم أيضا:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب
لدينا ولا يعني بقول الأباطل
وقد بين أبو طالب في شعره: أن السبب المانع له من اعتناق الإسلام ليس كراهية الحق، ولكنه الأنفة والخوف من ملامة قومه أو سبهم له كما في قوله:
لولا الملامة أو حذار مسبة
لوجدتني سمحا بذاك يقينا