مع أن الحكمين خانا في صفين لأنه كان يتوجب عليهما أن يحكما بالقرآن والسنة ، ويجعلا القرآن حكماً ويستدلا بآياته ولكنهما لم يفعلا ، كما قال سيدنا الأمير في الخطبة 721 في نهج البلاغة : ( وإنما حكم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن ) إذن لم يقل ببطلان تحكيم الحكمين ، بل لقد كان الحكمان أحدهما بسيطاً والآخر ماكراً(1) . ولا يتعلق ذلك بسيدنا علي لأنه أراد أن يجعل ابن عباس حكماً فقال الناس : إنه من أسرته ولم يقبلوا ، وكذلك لم يقبلوا مالك بن الأشتر وقال : إن سيفه مسلول دائماً .
حتى جاؤوا بأبي موسى الأشعري وجعلوه أحد الحكمين ، إذن أصل يقين الحكمين أمر صحيح لأن الحكمين لا بد أن يرفعا النزاع بالرجوع إلى القرآن طبقاً للآية : ﴿ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ﴾ يعني أن الناس رضوا في الحقيقة بتحكيم القرآن ويمكن الاستفادة من الآيات الأخرى لنصب الحكمين أيضاً . كالآية ﴿ فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ﴾ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عين حكماً في حرب بني قريظة ، على كل كان سيدنا علي رضي الله عنه أعلم بالقرآن من هؤلاء الرواة ، وكان يقرأ القرآن كما يقرؤه سائر المسلمين ، ولم يضف إليه جملة ( فردوه إلى أولي الأمر ) وكان يرضى أن يرجع الطرفان ـ وهو أحد أطرافه ـ إلى الكتاب وسنة الرسول ، لا إلى أولي الأمر . إذاً إما حديث الكليني هذا كذب أو أن الكذب في نهج البلاغة !.
وكذلك قال سيدنا علي لمالك الأشتر في نهج البلاغة الرسالة رقم 35 : ( فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم ) ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ فالرد إلى الله هو الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول هو الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة .