" ما لك لا تتكلم "
فقال: بل تكلم أنت فأسمع، قال الله عز وجل: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ﴾ بغير حجة وبيان ﴿ ليضل الناس بغير علم ﴾ يعني ليصرف الناس عن حكم الله تعالى بالجهل ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظلمين ﴾ يعني لا يرشدهم إلى الحجة، ويقال لا يوفقهم إلى الهدى مجازاة لكفرهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (ومن المعز) بنصب العين وقرأ الباقون: بالجزم، ومعناهما واحد ثم بين لهم ما حرم عليهم.
6.145-147
فقال: ﴿ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ﴾ يعني، لا أجد فيما أنزل علي من القرآن شيئا محرما ﴿ على طاعم يطعمه ﴾ يعني على آكل ﴿ إلا أن يكون ميتة ﴾ ، قرأ ابن عامر: (إلا أن تكون ميتة) بالتاء على لفظ التأنيث (لأن الميتة مؤنث)، وقرأ (ميتة) بالضم لأنه إسم كان وقرأ حمزة وابن كثير: (إلا أن تكون) بالتاء بلفظ التأنيث (ميتة) بالنصب فجعل الميتة خبرا لكان والاسم فيه مضمر وقرأ الباقون (إلا أن يكون) بلفظ التذكير (الميتة) بالنصب وإن جعلوه مذكرا لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه إلا أن يكون المأكول ميتة ﴿ أو دما مسفوحا ﴾ يعني سائلا جاريا ﴿ أو لحم خنزير فإنه رجس ﴾ أي حرام ﴿ أو فسقا ﴾ يعني معصية ﴿ أهل ﴾ يعني ذبح ﴿ لغير الله به ﴾ يعني لغير اسم الله. وقال بعضهم: في الآية تقديم ومعناه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أو فسقا أهل لغير الله به فإنه رجس، أي حرام يعني جميع ما ذكر في الآية هو رجس. ويقال: الرجس هو نعت للحم الخنزير خاصة. وروى عمر بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو وتلا هذه الآية ﴿ قل لا أجد فيما أوحى إلي... ﴾ الآية يعني ما لم يبين تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية. وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن أنه قال: والله لولا حديث سلمة بن المحبق ما لبسنا خفافكم ولا نعالكم ولا فراكم، حتى نعلم ما هي قال أبو بكر: فذكرت ذلك للزهري فقال: صدق الحسن ذلك عندي أوسع من هذا. حدثني عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس أنه قرأ: ﴿ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ﴾. الآية. قال: إنما حرم من الميتة أكلها وما يؤكل منها وهو اللحم أما الجلد والعظم والشعر والصوف فحلال. قال: وقد احتج بعض الناس بهذه الآية على أن ما سوى هذه الأشياء التي ذكر في الآية مباح ولكن نحن نقول قد حرم أشياء سوى ما ذكر في الآية. وقد بين على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك: كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. وقد قال تعالى:
ومآ ءاتكم الرسول فخذوه، وما نهكم عنه فانتهوا
[الحشر:7]. ثم قال: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ﴾ وقد ذكرنا تأويل هذه الآية. ثم قال: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا ﴾ يعني أن هذه الأشياء التي ذكرنا في الآية كانت حراما في الأصل وقد حرم الله أشياء كانت حلالا في الأصل على اليهود بمعصيتهم ﴿ كل ذي ظفر ﴾ يعني الإبل والنعامة والبط، والأوز، وكل شيء له خف.
وقال القتبي: كل ذي ظفر، يعني كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي حافر من الدواب وسم ظفرا على الاستعارة. وقال الكلبي: كل ذي ظفر يعني ليس بمنشق ولا مجتر فهو حرام عليهم ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ﴾ يعني شحوم البطون، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا ما حملت ظهورهما ﴾ وقال الضحاك: إلا ما كان على اللحوم من الشحوم. وقال الكلبي: يعني ما تعلق بالظهر من الشحم من الكليتين. ويقال: حرم عليهم الثروب وأحل ما سواها وواحد الثروب ثرب، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش، ﴿ أو الحوايا ﴾ وهو المباعر واحدتها حاوية ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾ مثل الإلية. وروى جويبر عن الضحاك قال: ما التزق بالعظم. ويقال: هو المخ ﴿ ذلك جزينهم ببغيهم ﴾ يعني ذلك التحريم عاقبناهم بشركهم، وظلمهم ﴿ وإنا لصدقون ﴾ أن هذه الأشياء كانت حلالا في الأصل وحرمناها على اليهود بمعصيتهم، لأن اليهود كانوا يقولون إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل. ثم قال: ﴿ فإن كذبوك ﴾ يعني فيما تقول من التحريم والتحليل ﴿ فقل ربكم ذو رحمة وسعة ﴾ يعني رحمته وسعت كل شيء لا يعجل عليهم بالعقوبة ﴿ ولا يرد بأسه ﴾ يعني عذابه ﴿ عن القوم المجرمين ﴾.