تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.32

قوله تعالى: ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ يعني لعب كلعب الصبيان يبنون بنيانا ثم يهدمونه ويلعبون ويلهون ويبنون ما لا يسكنون [كذلك أهل الدنيا يجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون] ويأملون ما لا يدركون. ثم قال: ﴿ وللدار الآخرة ﴾ يعني الجنة ﴿ خير للذين يتقون ﴾ الشرك والفواحش ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أي أن الآخرة أفضل من الدنيا. قرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بلام واحدة بالتخفيف وبكسر الآخرة على معنى الإضافة [وقرأ الباقون: (وللدار الآخرة) بلامين والآخرة بالضم على معنى النعت] وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص: (أفلا تعقلون) بالتاء على معنى المخاطبة. والباقون بالياء على معنى المغايبة.

6.33-35

قوله تعالى: ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ﴾ روى سفيان عن أبي إسحق عن ناجية بن كعب قال: قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فنزلت هذه الآية. وروى أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال:

" جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حزين، فقال: ما يحزنك؟ قال: كذبني هؤلاء. فقال: إنهم لا يكذبونك، يعلمون أنك صادق "

فنزلت هذه الآية: ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ﴾ من تكذيبهم إياك في العلانية ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ في السر ويعلمون أنك صادق وكانوا يسمونه أمينا قبل أن يوحي إليه فلما أوحي إليه كذبوه، فقال ﴿ ولكن الظلمين بآيت الله يجحدون ﴾ وهم يعلمون أنك صادق. والجحد يكون ممن علم الشيء ثم جحده كقوله تعالى:

وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم

[النمل: 14] قرأ نافع والكسائي: (فإنهم لا يكذبونك) بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف فمعناه أنهم لا يجحدونك كاذبا، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب ولا يكذبونك في السر، وقرأ نافع: (يحزنك) برفع الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون (ليحزنك) بنصب الياء وضم الزاي ومعناهما واحد. ثم عزاه ليصبر على أذاهم فقال: ﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك ﴾ يعني أن قومهم كذبوهم كما كذبك قريش ﴿ فصبروا على ما كذبوا وأوذوا ﴾ يعني صبروا على تكذيبهم وأذاهم ﴿ حتى أتهم نصرنا ﴾ يعني عذابنا لهلاكهم ﴿ ولا مبدل لكلمت الله ﴾ يعني لا مغير لوعد الله فهذا وعد من الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالنصرة، كما نصر النبيين من قبله. ثم قال: ﴿ ولقد جاءك من نبإ المرسلين ﴾ يعني من خبر المرسلين كيف أنجيت المرسلين وكيف أهلكت قومهم. فلما وعد الله تعالى بالنصرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - تعجل أصحابه لذلك، وأرادوا أن يعجل بهلاك الكفار، فنزل: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد به قومه، فقال: إن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان، ولا تصبر على تكذيبهم إياك ﴿ فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ﴾ يعني إن قدرت أن تطلب سربا في الأرض والنافقاء، إحدى جحري اليربوع ﴿ أو سلما في السماء ﴾ يعني مصعدا إلى السماء ﴿ فتأتيهم بآية ﴾ فافعل ذلك على وجه الإضمار وهذا كما قال في آية أخرى:

من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء

[الحج: 15] الآية. وروى محمد بن المنكدر:

" أن جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله أمر السماء أن تطيعك، وأمر الأرض أن تطيعك، وأمر الجبال أن تطيعك، فإن أحببت أن ينزل عذابا عليهم. قال: " يا جبريل أؤخر عن أمتي، لعل الله أن يتوب عليهم "

ثم قال: ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ يعني لهداهم إلى الإيمان. ويقال: ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى، كما قال في آية أخرى:

إن نشأ ننزل عليهم من السمآء ءاية فظلت أعنقهم لها خضعين

[الشعراء: 4] (ومعناه ولو شاء الله لجمعهم على الهدى قهرا وجبرا، ولكن ما فعل، وكلفهم وتركهم فاختيارهم). ثم قال: ﴿ فلا تكونن من الجهلين ﴾ يعني بأنه لو شاء لهداهم. وقال الضحاك: يعني القدر خيره وشره من الله تعالى، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان.

بحر العلوم · الصفحة ٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٣٤٥