تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زنجبار وحدها؟ ‍‍!

وهب أن ما ذكر من اقتحام النار لا دخل فيه لصنعة ولا خفة وأنه كرامة لأهل

بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأي دخل في ذلك لمذهب الإمامية

ومقتض لترك غيره إليه؟ وهل هو إلا مذهب موافق لسائر مذاهب المسلمين

المعروفة في أكثر مسائل العبادات والمعاملات، ومخالف لها في مسائل قليلة كما

يخالف بعضها بعضا، وجميع أصحاب المذاهب الإسلامية يجلون آل بيت رسول

الله - عليه الصلاة والسلام - ويحبونهم ويوالونهم ويرون أنهم أهل لكل كرامة من

الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا ما شذ فيه بعض الخوارج الذين يتبرؤون من أمير

المؤمنين علي المرتضى - كرم الله تعالى وجهه - ومن أفراد آخرين من الصحابة

وأئمة الدين. وأس الإسلام ما أجمع عليه المسلمون ولا سيما في الصدر الأول،

وكل ما وقع فيه الخلاف بين أئمة العلم والفقه فهو من المسائل غير القطعية في

الدين التي يختلف فيها الاجتهاد، ولا ينحصر الصواب فيها بفرد من الأفراد، وفي

كل من المنتمين إلى المذاهب المنتشرة صالحون وطالحون، وأبرار وفجار، فإن

أوتي أحد الصالحين من أهل مذهب منها كرامة فلا وجه لجعلها حجة في ترجيح

مذهبه على سائر المذاهب في جميع المسائل الخلافية ولا في بعضها، ولو كان

حجة لاستغنى به عن الاجتهاد والاستدلال.

***

استطراد في تفرق المسلمين

والعبرة بمأتم عاشوراء

سبق لنا البحث في أمثال هذه المسائل مرارا، وإنه ليحزننا أننا لا نزال في

أشد الحاجة إلى تكرير تذكير عامة إخواننا المسلمين من جميع المذاهب في جميع

الأقطار بأنه قد آن لهم أن يتركوا هذا التغاير والتناظر في المذاهب الذي أضعف

الدين، وفرق كلمة المسلمين، فإن المصائب العامة المشتركة أفصح معلم، وأحكم

مؤدب، وقد توالت عليهم نذرها، ووضحت لهم عبرها، ولا سيما في هذه السنين،

﴿أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون﴾ (التوبة: 126) بلى قد رأى الأكثرون ما لم يكونوا يرون، ولكنهم لا يزالون

يعمهون، وقد أضاعوا معظم الفرص، ولا يزال لديهم مجال للعمل، فإن أضاعوا

بقية الفرصة فهم هالكون.

قد كانت ذكرى قتل الحسين وإقامة المآتم له مما يقصد به غلاة الساسيين من

الباطنية وأتباعهم زيادة التفريق بين المسلمين، وتأريث الضغائن والأحقاد بينهم،

استرسالا مع تلك الدسائس المجوسية التي دست في الصدر الأول الكيد للمسلمين

الذين أزالوا ملك المجوس وسلطانهم الديني وملكهم الكسروي، وكان جميع

الصادقين في الإسلام من شيعة آل البيت النبوي وغيرهم غافلين عن ذلك جاهلين

به، وظل بعض المتعصبين يقصد بمثله في بعض الأوقات تقوية العصبية والتذكير

بأخذ الثأر من المعتدين الظالمين، ولكن من هم اليوم؟ وإعادة الحق إلى الأئمة

الوارثين، وأين هم اليوم؟ فعل العباسيون ببني أمية فعلتهم، وفعل العبيديون

بالعباسيين فعلتهم، وصار المسلمون دولا كثيرة أحاط بها الخطر منذ قرنين أو أكثر،

فأي استعداد اتخذ لذلك في مجموع الأمة الإسلامية، أو في أي مملكة من ممالكها؟

أين هم من العمل بما صح من أن من مات وليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتة

جاهلية؟ لقد مزقوا نسيج الوحدة، ولم يبق من الجامعة الدينية في أي جماعة منهم

إلا أسباب الفرقة، ولقد صار هذا المأتم كسائر ما أحدث المسلمون المختلفو المذاهب

من الاحتفالات باسم الدين، عادات تقليدية تشبه الملاهي التي يجتمع الناس لسماع

القصص التاريخية والخيالية، بل هي أقل فائدة وأكبر ضررا من تمثيل القصص

المذكورة في الأمم الحية.

لو كان المسلمون يعيشون عيشة الجد لجعلوا الاجتماع في عاشوراء لذكرى

مولد الإمام الحسين - عليه رضوان الله وسلامه - وسيلة سياسية لإحياء المقصد

العظيم الذي بذل هذا السبط الشهيد السعيد حياته العالية الغالية في سبيله، لا حدثا

دينيا يزيد تفريق الكلمة، ولا لعبا بالسلاح والنار وندبا بالخطب والأشعار لا يبعث

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٦