لعلوق النار بالمقتحم، وقد رأينا بعض الصبيان في بعض قرى سورية يتبارون في
اقتحام نار يوقدونها، وقلما تعلق بثوب أحد منهم.
(النوع الثاني) غرائب حقيقية يستعان عليها بالعلم بخواص الأشياء كعلم
الكيمياء والكهرباء وغيرهما، وإنما تكون غرائب عند الجاهل بأسبابها، وكذلك
النوع الأول، إنما يراه غريبا من يجهل تلك الصناعة وما فيها من الحيل والتخيل.
(النوع الثالث) غرائب مصدرها تأثير النفس الإنسانية بقوة إرادتها وغيرها
من الخواص الروحانية كاستعدادها للعلم ببعض الأمور الواقعة أو المستقبلة من غير
طريقي الحس والفكر، وهذا النوع يتفاوت أهله فيه تفاوتا عظيما بالاستعداد الفطري
وبالرياضة الروحية.
والمتكلمون يطلقون على كل ما جاء على خلاف المعروف المعهود مما لا
يعرف له سبب كلمة (خوارق العادات) ، ويعدون منها الآيات التي يؤيد الله تعالى
بها رسله - عليهم السلام - ويسمونها المعجزات، والخوارق الحقيقية لا تتكرر
كثيرا؛ لأن ما يتكرر هو عادي؛ لأنه يعود كما بدأ، وكل ما كان من علم أو
صناعة أو قوة نفسية تستخدمها الإرادة البشرية فهو من جنس المعتاد ويتكرر؛ لأن
صاحبه يفعله بإرادته واختياره، وانحصاره في أفراد وفئات من الناس هو
كانحصار سائر الصناعات والعلوم في متعلميها ومزاوليها وقوة الاستعداد الجسدي
في أهلها.
وأما آيات الرسل التي أيدهم الله تعالى بها للدلالة على صدقهم في دعوى
الرسالة عنه فليست مما تتعلق به قدرتهم وإرادتهم بحيث يأتونها متى شاؤوا كسائر
أفعالهم الاختيارية ولا مما يتلقى بالتعليم، ولذلك أمر الله تعالى خاتم رسله الذي
أكمل دينه به أن يجيب من اقترحوا عليه الآيات بقوله: ﴿قل إنما الآيات عند الله﴾ (العنكبوت: 50) بقوله: ﴿سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ (الإسراء: 93) ولكنها من شؤونه تعالى يجريها على أيديهم متى شاء، إما بغير
كسب منهم ألبتة كإعجاز القرآن وعصا موسى، وإما مقارنة لكسب ما منهم يأتونه
بإذنه ليس له من التأثير في خرق العادة إلا الصورة؛ كرمي نبينا - صلى الله عليه
وسلم - المشركين بقبضة من الرمل على البعد منهم أصابت أعينهم على كثرتهم
وبعدهم عنه واختلاف أوضاعهم وحالاتهم عند الرمي، وذلك قوله تعالى له: {وما
رميت إذ رميت ولكن الله رمى} (الأنفال: 17) ومن هذا القبيل إبراء الأكمه
والأبرص وإحياة الموتى لعيسى - عليه السلام - وإن جاز أن تكون قوة روحانيته
الوهبية هي المؤثرة بإذن الله تعالى فيه، وكرامات الأولياء أكثر ما تكون من النوع
الثالث للغرائب.
وأما السحر فليس من خوارق العادات في شيء، وإنما هو صناعة تؤخذ بالتعلم
والتمرن وتدخل فيما ذكرنا من أنواع الغرائب المعتادة التي يقصد بها الكيد والمكر
والخداع، ولذلك اتهم فرعون السحرة بأن ما فعلوه مع موسى مكر مكروه في المدينة
متواطئين عليه، وقال تعالى لموسى: {إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر
حيث أتى} (طه: 69) وقال في تأثير كيدهم وشعوذتهم فيه: {يخيل إليه
من سحرهم أنها تسعى} (طه: 66) وذكر أن هاروت وماروت كانا يعلمان
الناس السحر ببابل، وخوارق العادات لا تكون بالتعلم كما تقدم؛ وفاقا لما قاله الشيخ
محيي الدين بن العربي.
إذا تدبر السائل ما تقدم علم أن ما ذكره من اقتحام بعض الشيعة للنار هو مما
ذكرنا من العادات المكررة، والشجرة التي زعموا أنها تقطر دما في شهر المحرم لا
وجود لها، فأنا لم أسمع بها قبل ورود هذا السؤال، لا في بلاد الهند أيام كنت فيها
ولا في غيرها، ولما جاء هذا السؤال سألت بعض أفاضل الشيعة الذين يعرفون
الهند وإيران والعراق، فقال: لم نسمع بذكر هذه الشجرة في الهند ولا في إيران
ولا في العراق. وهذه الأقطار الثلاثة هي مواطن الشيعة الإمامية ومأوى الملايين
منهم، وفيها معاهدهم الدينية الكبرى، فكيف يجهل فيها أمر هذه الشجرة ويعرف في