تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال: 39) ، فإذا لم يكن الدين كله لله كانت فتنة،

وأصل الدين أن يكون الحب لله والبغض لله، والموالاة لله والمعاداة لله، والعبادة

لله والاستعانة بالله، والخوف من الله والرجاء لله، والمنع لله والإعطاء لله، وهذا

إنما يكون بمتابعة رسول الله الذي أمره أمر الله، ونهيه نهي الله، ومعاداته معاداة الله،

وطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه،

فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه ولا يرضى لرضا الله ورسوله،

ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب

إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى له

ويغضب له هو السنة، وهو الحق وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق

المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله

هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته، أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو

فعل ذلك شجاعة أو طبعا، أو لغرض من الدنيا لم يكن لله، ولم يكن مما هو في سبيل

الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق أو السنة هو كنظيره، معه حق وباطل وسنة

وبدعة؟ وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وكفر بعضهم بعضا،

وفسق بعضهم بعضا، ولهذا قال تعالى فيهم: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا

من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء

ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (البينة: 4-5) ، وقال تعالى:

﴿كان الناس أمة واحدة﴾ (البقرة: 213) ، فاختلفوا [4] كما في سورة يونس [5]

وكذلك في قراءة بعض الصحابة، وهذا على قراءة الجمهور من الصحابة والتابعين

أنهم كانوا على دين الإسلام، وفي تفسير ابن عطية عن ابن عباس أنهم كانوا على

الكفر، وهذا ليس بشيء، وتفسير ابن عطية عن ابن عباس ليس بثابت عن ابن

عباس، بل قد ثبت عنه أنه قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على

الإسلام، وقد قال في سورة يونس: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ (يونس: 19) ، فذمهم على الاختلاف بعد أن كانوا على دين واحد، فعلم أنه

كان حقا.

والاختلاف في كتاب الله على وجهين، أحدهما أن يكون كله مذموما كقوله:

﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ (البقرة: 176) ، والثاني أن

يكون بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل، كقوله: {تلك الرسل فضلنا

بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم

البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما

جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا

ولكن الله يفعل ما يريد} (البقرة: 253) ، لكن إذا أطلق الاختلاف فالجميع

مذموم كقوله: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ (هود:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٥٥