- وهو متكئ على الأشتر - على قتلى صفين، فإذا حابس اليماني مقتول فقال
الأشتر: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا حابس اليماني معهم يا أمير المؤمنين عليه
علامة معاوية، أما والله لقد عهدته مؤمنا. قال علي: والآن هو مؤمن. قال: وكان
حابس رجلا من أهل اليمن من أهل العبادة والاجتهاد. قال محمد بن يحيى: حدثنا
محمد بن عبيد، حدثنا مختار بن نافع، عن أبي مطر قال: قال علي: متى ينبعث
أشقاها؟ قيل: من أشقاها؟ قال: الذي يقتلني. فضربه ابن ملجم بالسيف فوقع برأس
علي - رضي الله عنه - وهم المسلمون بقتله، فقال: لا تقتلوا الرجل، فإن برئت
فالجروح قصاص، وإن مت فاقتلوه. فقال: إنك ميت. قال: وما يدريك؟ قال:
كان سيفي مسموما. وبه قال محمد بن عبيد، حدثنا الحسن - وهو ابن الحكم النخعي
- عن رياح بن الحارث قال: إنا لبواد، وإن ركبتي لتكاد تمس ركبة عمار بن
ياسر، إذ أقبل رجل فقال: كفر والله أهل الشام. فقال عمار: لا تقل ذلك فقبلتنا
واحدة ونبينا واحد، ولكنهم قوم مفتونون، فحق علينا قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق.
وبه قال ابن يحيى. حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن الحسن بن الحكم، عن رياح
بن الحارث، عن عمار بن ياسر قال: ديننا واحد وقبلتنا واحدة ودعوتنا واحدة،
ولكنهم قوم بغوا علينا فقاتلناهم. قال ابن يحيى: حدثنا يعلى، حدثنا مسعر، عن عبد
الله بن رياح بن الحارث قال: قال عمار بن ياسر: لا تقولوا: كفر أهل الشام،
قولوا: فسقوا، قولوا: ظلموا. قال محمد بن نصر: وهذا يدل على أن الخبر الذي
روي عن عمار بن ياسر أنه قال لعثمان بن عفان: هو كافر. خبر باطل لا يصح؛
لأنه إذا أنكر كفر أصحاب معاوية وهم إنما كانوا يظهرون أنهم يقاتلون في دم عثمان،
فهو لتكفير عثمان أشد إنكارا، (قلت) : والمروي في حديث عمار أنه لما قال ذلك
أنكر عليه علي - رضي الله عنه - وقال: أتكفر برب آمن به عثمان؟ وحدثه بما
يبين بطلان ذلك القول، فيكون عمار إن كان قال ذلك متأولا قد رجع عنه حين تبين
له أنه قول باطل.
ومما يدل على أن الصحابة لم يكفروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم،
وكان عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة كانوا يصلون خلف
نجدة الحروري، وكانوا أيضا يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلم
المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري لما أرسل إليه يسأله عن
مسائل، وحديثه في البخاري، وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة،
وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن كما يتناظر المسلمان، وما زالت سيرة
المسلمين على هذا ما جعلوهم مرتدين، كالذين قاتلهم الصديق - رضي الله عنه -
هذا مع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم في الأحاديث الصحيحة،
وما روي من أنهم شر قتلى تحت أديم السماء خير قتيل من قتلوه؛ في الحديث الذي
رواه أبو أمامة. رواه الترمذي وغيره؛ أي: أنهم شر على المسلمين من
غيرهم، فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم لا اليهود ولا النصارى، فإنهم
كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل
أولادهم مكفرين لهم، وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة، ومع
هذا فالصحابة والتابعون لهم بإحسان لم يكفروهم ولا جعلوهم مرتدين، ولا اعتدوا
عليهم بقول ولا فعل، بل اتقوا الله فيهم وساروا فيهم السيرة العادلة , وهكذا سائر فرق
أهل البدع والأهواء من الشيعة والمعتزلة وغيرهم، فمن كفر الثنتين والسبعين فرقة
كلهم فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، مع أن حديث
الثنتين والسبعين فرقة ليس في الصحيحين، وقد ضعفه ابن حزم وغيره، لكن حسنه
غيره أو صححه، كما صححه الحاكم وغيره، وقد رواه أهل السنن، وروي من
طرق، وليس قوله: (ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة) أعظم من قوله