تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصلوا في الطريق ولم يتأخروا، وحمل الآخرون الأمر على ظاهره، ولأن العمل

أبعث على القدوة والامتثال، وذلك ثابت بالعقل والتجربة، وأظهر وقائعه في السنة

أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة بالتحلل من عمرتهم عقب صلح

الحديبية، كرر الأمر بالقول ثلاثا ولم يمتثلوا، فاغتم - عليه الصلاة والسلام -

وكانت زوجه أم سلمة - رضي الله عنها - معه فذكر لها ذلك مستشيرا لها فيه،

فأشارت عليه بأن يخرج إليهم ولا يكلم أحدا حتى يتحلل من عمرته بنحر هديه

وحلق رأسه ففعل، فاتبعه الناس مسرعين، ولم يقع لهذا نظير منهم.

فعلم من هذا أن أحكام الدين لم تبين تمام التبيين إلا بالسنة العملية، وأن

الصحابة أنفسهم كانوا محتاجين إليها، وكان يختلف اجتهادهم في الأقوال إذا لم تبين

بها، بل كان منهم من تأول النص الصريح في مقام الخصومة انتصارا لنفسه

ودفاعا عنها، كما تأول معاوية حديث عمار (تقتله الفئة الباغية) ، فقال: إنما قتله

من أخرجه. فرد أمير المؤمنين علي هذا القول حين بلغه بأنه يقتضي أن يكون

النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي قتل عمه حمزة؛ أي: وجميع من قتل

معه في بدر وأحد وسائر الغزوات، فما تبين من أعمال الدين بالسنن المتبعة فعلا

وتركا، فهو الذي لا يسع أحدا مخالفته، ولا يعذر فيه، وما سواه يعذر فيه الناس

باختلاف الأفهام والتأول مع الاعتقاد وحسن النية.

وقد حدث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحداث والوقائع ما لم يكن

في عصره، واختلف الاجتهاد في أحكامها من حيث تحقيق المناط وتنقيح المناط،

أي: من حيث الاستدلال على الحكم ومن حيث تطبيقه على الوقائع بالعمل، والقاعدة

الأصولية في اجتهاد الأفراد من الصحابة وغيرهم أنه ليس حجة في الدين، وإنما

يجب على من اجتهد في مسألة أن يعمل بما ظهر له أنه الحق فيها، والقائلون

بالتقليد يجيزون للعاجز عن الاجتهاد فيما يعرض له مما لا نص فيه أن يأخذ باجتهاد

من يثق به من المجتهدين، وأما إجماع الصحابة فهو حجة عند جميع الأئمة،

والإمام أحمد لا يحتج بإجماع غيرهم، وكان الإمام مالك يحتج بإجماع أهل المدينة

في زمنه؛ أي: زمن التابعين وتابعي التابعين، وإنما يظهر هذا في الشعائر والسنن

العملية المتبعة، لا فيما سبيله الاجتهاد، وجملة القول أن الله تعالى أكمل الدين

بكتابه وبيان رسوله، وكان أهل الصدر الأول من السلف الصالح هم الذين حملوا

إلينا هذا الدين كما سمعوه ووعوه بالقول والعمل، فمعرفته متوقفة على معرفة

روايتهم له وسيرتهم في العمل به.

ولا شك أن العمل بالإسلام عبادة ومعاملة وسياسة وقضاء كان في عهد الخلفاء

الراشدين - رضي الله عنهم - على أكمل الوجوه، بل قال بعض علماء الأصول:

إن إجماع الخلفاء الأربعة حجة، واحتجوا لذلك بحديث العرباض بن سارية مرفوعا:

(أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد [1] ، وإنه من يعش منكم

فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا

عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) وفي رواية:

(فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن

صحيح. وكذا غيرهما من وجوه وطرق، واختاره النووي في الأربعين، بل ذهب

بعضهم إلى الاحتجاج بسنة الشيخين أبي بكر وعمر، وبعضهم بالاحتجاج بما سنه

عمر؛ أي: سن في خلافته لما ورد في ذلك.

ولبيان وجه هذا مكان آخر يعلم منه أنه ليس على إطلاقه حتى عند القائلين به،

وذكر الحافظ ابن رجب في كتاب (جامع العلوم والحكم) ، عن الإمام مالك أنه قال:

قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر من

بعده سننا؛ الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا

تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، فمن اهتدى بها فهو المهتدي، ومن استبصر بها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٤٧