من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه) ، وبقولهم: (صار المعروف
منكرا والمنكر معروفا) ، وهذا القول حق واقع، ولكن لا يعتبر به القائل ولا
السامع، وقد كان من أثره أن كثيرا من الناس حتى بعض المعممين منهم لا يطعنون
بدين أحد إلا المعتصم بالكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، ولا سيما إذا دعا
الناس إلى ذلك وإلى ترك البدع الفاشية، حينئذ ينبذونه بلقب وهابي أو عدو الأئمة
المجتهدين، وأولياء الله المقربين، فالجهال قد اتخذوا من أسماء الأئمة والصالحين
الذين هم أعداؤهم سهاما مسمومة يرمون بها أولياءهم والمتبعين لهم في الحقيقة؛ لأنهم
يهتدون بالكتاب والسنة مثلهم، فالكتاب والسنة ليسا حجة عندهم ولا هداية لهم، بل
هما يردان بقول كل من ألف كتابا كتب في طرته أنه العلامة فلان الفلاني مذهبا،
والعلاني طريقة ومشربا، فاتباع الكتاب والسنة عندهم ضلال، بل ربما يرمون
صاحبه بالكفر أو الزندقة كما بينا ذلك في غير ما موضع من المنار، وهذا من الخزي
الذي يعد من أغرب جهل البشر، والخذلان الذي يمثل منتهى فساد العقول والفطر،
يتبرأ منه ومن أهله أئمة الأثر والفقه والتصوف والعلماء بدلائل مذاهبهم وطرقهم،
وهو ليس من التقليد الذي أجازه بعض هؤلاء العلماء في شيء، فقد كانوا في خير
القرون لا يعلمون عامة الأمة إلا ما نزله الله تعالى إليها وما بينه به رسولها، ولم يكن
ثم مذاهب تحمل عليها، وإنما كانت مباحث الاجتهاد محصورة في تعليم الخاصة
ومجلس القضاء ونوازل الفتوى في الوقائع، ومن قواعد الأصول عندهم: عدم جواز
الاجتهاد مع وجود نص الكتاب أو السنة في المسألة، وأنه لا حجة في كلام أحد غير
المعصوم، وهم مجمعون على أن الأئمة الأربعة في الفقه وأئمة الصوفية كالجنيد
والشبلي والبسطامي وأمثالهم غير معصومين، وإنما قال بعض الشيعة بعصمة نفر من
أئمة آل البيت.
وجميع هؤلاء العلماء يفضلون سلف الأمة على خلفها في العلم بحقيقة الدين
والعمل به كما تقدم، ويحثون على الاقتداء بهم، ويردون كل ما خالف هديهم
وسيرتهم، ويستدلون به على الابتداع في الدين كما يستدلون بالنصوص، فنحن إذا
محتاجون في التمييز بين السنة والبدعة إلى معرفة ما كان عليه جمهور السلف
الصالح، ونستمسك به ونرد ما خالفه، ولا سيما ما اتفقوا عليه، وما كان الخلاف فيه
شاذا أو ضعيف الرواية أو الدلالة، ولكننا نعذر من أخذ بقول أي عالم من أولئك
الأئمة لاعتقاده صحة دليله، أو أنه هو حكم الله تعالى وإن لم يعرف دليله.
ثبت بالعقل والنقل والاختبار أن العمل بأحكام الدين ومنه القضاء بها والفتوى
في تطبيقها على النوازل الواقعة أقوى بيانا للمراد بها من القول مهما يكن فصيحا
جليا، فكلام الله أفصح الكلام وأبلغه، ومعنى هذا أنه أعلاه بيانا وإقناعا وتأثيرا، ومع
هذا كان بعض الصحابة يخطئ في فهم بعض أحكامه وفي تطبيقها على العمل كما
أخطأ من تمعك منهم في التراب كما تتمعك الدابة؛ لأنه فهم أن التيمم عن الجنابة
يجب أن يمتاز عن تيمم الحدث، وكما أخطأ من ربط في رحله عقالا أبيض وعقالا
أسود ليتبين بالتمييز بينهما طلوع الفجر، ولهذا جعل الله تعالى رسوله - صلى الله
عليه وسلم - مبينا لكتابه على وصفه إياه بأنه بيان للناس وتبيان لكل شيء ونور
مبين، وتبيين الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأفعاله وأحكامه وفتاويه في
النوازل أقوى وأظهر من تبيينه بأقواله وإن أوتي من النبوة وجوامع الكلم، وصار
أفصح من نطق بالضاد؛ لأن أقواله ذات وجوه تحتمل التأويل كما قال الإمام علي
المرتضى في الكتاب العزيز، بل هي أولى، وتختلف فيها الأفهام كما اختلف
الصحابة رضي الله عنهم في أمره إياهم بأن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة،
ففهم بعضهم أن المراد عدم التأخر عن الوصول إلى بني قريظة في ذلك الوقت