وعن أخذ بعضهم بقول الإمام بدون معرفة دليله، وبين ما نخصه بالذم من التقليد
الأعمى الذي ترتب عليه ما أشرنا إليه من الفوضى الدينية، وقد قلب بعض
المقلدين الوضع وعكس القضية فجعلوا أقوى حججهم على وجوب التقليد وكونه
مصلحة راجحة زعمهم أنه يدفع مفسدة الفوضى في الدين بادعاء الكثيرين للاجتهاد
واتباع الناس لهم، وهم غير أهل لذلك فيكونون ضالين مضلين، فإقفال باب
الاجتهاد قد درأ هذه المفسدة وقيد من ليس أهلا للاجتهاد باتباع أئمة معدودين قد ثبت
اجتهادهم، ونقلت مذاهبهم بالتواتر.
والحق أن هذه المفسدة التي ذكروها واقعة لا ريب فيها، وإنما كان سببها ما
سموه إقفال باب الاجتهاد؛ أي: إقفال باب الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله - صلى
الله عليه وسلم - ورد كل اختلاف ونزاع إليهما كما أمر الله تعالى، وهذا الاهتداء
ليس معناه أن يكون كل مهتد بهما إماما أهلا لاستنباط أي حكم شرعي احتيج إليه
منهما، فعوام السلف الصالح لم يكونوا أئمة، ولا كان الجماعات ولا الأفراد منهم
يلتزمون تقليد فرد معين من علمائهم، وإنما كانوا كلهم عالمين بالضروري من الدين،
ومتفاوتين في علم غيره، ومن احتاج منهم إلى علم ما لا يعلمه في نازلة وقعت له
سأل عنها من يثق بعلمه ودينه من أهل العلم؛ أي: سأله عن حكم الله تعالى في كتابه
وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكان أولئك العلماء الذين هم أهل العلم
بالقرآن والسنن يفتونهم بالنصوص إن وجدت، وإلا فبما يستنبطون منها.
وأما عوام الخلف الذين حيل بينهم وبين هداية كتاب ربهم، وما بينه من سنة
نبيهم - عليه الصلاة والسلام - بتسميتها اجتهادا يعجز عنه البشر؛ فهم في فوضى
دينية من هذا التقليد الأعمى الذي هو عبارة عن الأخذ بقول كل من ينتمي إلى العلم
أو يدعيه، وإلى العمل بكل قول يوجد في كتاب مخطوط أو مطبوع، ولا سيما كتب
المنسوبين إلى مذاهبهم في الفقه أو الكلام أو التصوف، وناهيك بكتب المشهورين
منهم مهما يكن سبب شهرتهم، ومن اختبر المسلمين في الأقطار المختلفة اختبارا
صحيحا يجد أنه يقل في طلاب العلوم الدينية فيهم من يعرف سيرة الإمام الذي
ينتمي إليه في علمه ودينه وأصول مذهبه ونصوصه في الفروع، وإنما حظهم من
المذهب قراءة بعض الكتب التي ألفها بعض المقلدين المنتمين إليه على تفاوت عظيم
في فهمها، وعلى ما في الكثير منها من الخلط والخطأ والغلط كما أشرنا إليه آنفا،
ويا ليتهم مع هذا يعرفون ما في الكتب المعتمدة في مذاهبهم، ويعملون بما صح نقله
عن المجتهدين، أو من على مقربة منهم.
كلا إن أكثر العوام يقلد بعضهم بعضا في الدين وعباداته فعلا وتركا كما علمت،
ولا يوجد واحد في المائة، ولا في الألف منهم تلقى دينه عن أحد من المنتحلين للعلم
الديني على ما وصفنا من سوء حالهم، ومن جهل أكثرهم بنصوص الأئمة المجتهدين
- كجهلهم بالكتاب والسنة - ولو كانوا متبعين لأولئك الأئمة الكرام لجعلوا أكبر همهم
تذكير الناس وتعليمهم بالكتاب والسنة وإرجاع كل أمر إليهما، وبذلك وحده ترتفع
الفوضى الدينية أو تقل، وتموت البدع أو تضعف، وأقوال المؤلفين المنسوبين إلى
المذاهب ليس لها من السلطان على القلوب والإقناع في العقول مثل ما لكلام الله تعالى
وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلامهم متعارض لكثرتهم، فإذا حاججت امرأ
بقول مؤلف منهم حاجك بقول آخر يخالفه كما حاج بعض المنسوبين إلى الطريقة
الشاذلية شيخ الجامع الأزهر بنقول كاذبة خاطئة وجدها في بعض كتبهم فيما ابتدعوه
من التعبد بما يسمونه اسم الصدر، وهو إخراجهم من صدورهم صوتا مشتملا على
الحرفين اللذين مخرجهم أقصى الحلق (أه) .
بل أقول: إن إقفال باب الاهتداء بالكتاب والسنة وتذكير الناس بهما قد فتح
أبواب الزندقة والمروق من الدين، لا باب الفوضى في الدين أو الفسوق فقط،