ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وتقتضي هذه الفتوى أيضا أن الطواف بتلك
القبور وتقبيلها مشروع، وكل ذلك من عبادة غير الله تعالى، وهل كان الشرك الذي
بعث جميع الرسل لهدمه إلا عبادة غير الله تعالى من الملائكة والأنبياء والصالحين
بدعائهم، والغلو في تعظيمهم بما لم يأذن به الله، وتعظيم ما وضع للتذكير بهم من
صور وتماثيل وقبور؟
4- لقد كان مثار كل هذه الفوضى والضلالات ما تبع التقليد والتمذهب من
جعل جماهير الناس كل ما دون في كتاب دينا يتبع، ولا سيما بعد موت مؤلفه، وعند
أهل مذهبه أو أهل طريقته إذا كان منتميا إلى بعض طرق المتصوفة، التقليد نفسه
مختلف فيه عند الأصوليين وأهل النظر والاستدلال والتشديد في منعه من الأمور
الاعتقادية عظيم جدا حتى قال من قال: إنه لا يعتد بإيمان المقلد وإن وافق الحق،
وقد ذكر ذلك صاحب الجوهرة في أول عقيدته بقوله:
إذ كل من قلد في التوحيد ... إيمانه لم يخل من ترديد
ففيه بعض القوم يحكي الخلفا ... وبعضهم حقق فيه الكشفا
فقال أن يجزم بقول الغير ... كفى وإلا لم يزل في الضير
وناهيك بحال المختلف في إيمانه والعياذ بالله تعالى، والتقليد الذي أجازه من
أجازه منه00م وأوجبه صاحب الجوهرة هذا، قاصرا إياه على الأئمة الأربعة
المشهورين في الفقه، وأبي القاسم الجنيد من الصوفية - افتياتا منه على الشرع -
وهو التقليد في فروع الأعمال، إنما كانوا يعنون به تقليد العاجز عن معرفة الحكم
للمجتهد الموثوق به عنده بأخذه عنه الحكم بدون دليل، وليس منه في شيء أن يجعل
من الدين كل ما ذكر في كتاب ولو لجاهل ليس من أهل الاجتهاد المطلق، ولا ما دونه
كأكثر هؤلاء المتأخرين الذين لم يعنوا قط بالنظر في أدلة الأحكام، وإنما تآليفهم عبارة
عن نقل كل مؤلف منهم لكلام من قبله مع تصرف يفسد النقل في بعض الأحيان،
وأكثر نقل المتأخرين عن قريبي العهد بهم، ولا يكاد أحد منهم ينظر في كلام
المجتهدين، ولا كلام أهل التخريج والاجتهاد في مذاهبهم، بل جعلوا الفقهاء طبقات،
أوصلها بعضهم إلى ست، ويقول مثل ابن عابدين الشهير: إنه من السادسة وأهلها
أسرى النقل، يعني عمن قبلهم لا من الكتاب والسنة، ولا من نصوص الأئمة، وهذه
الطبقات حجب دون الكتاب والسنة، كل طبقة تحجب ما دونها عما فوقها، فالحجب
بين الطبقة السادسة وبين النور المنزل من عند الله ليستضيء به البشر خمسة هي
سادستها، وقد ضرب الإمام الغزالي مثلا جميلا ضوء الشمس يدخل من نافذة، فيقع
على مرآة وينعكس عنها على جدار مقابل له، ثم ينعكس عنه إلى جدار ثان مقابل
لها، ثم ينعكس عنه إلى جدار ثالث في حجرة أخرى مظلمة من بابها، ثم ينعكس ما
يقع على هذا الجدار المقابل للباب إلى جدار رابع في حجرته مقابل له، فالنور الذي
يقع على المرآة مثل نصوص الكتاب والسنة عند المهتدين بهما من الأئمة المجتهدين
وغيرهم من السلف؛ لأن الله تعالى شرع دينه وجعل كتابه تبيانا عاما لا خاصا
بالأئمة، وإنما الأئمة أقوى فهما وأوسع علما وأهدى سبيلا في الاهتداء به وتعليمه
للناس، والنور المنعكس عن المرآة على الجدار الأول مثل العلم الذي يتلقاه الناس عن
الأئمة الذين ينقلون لهم النصوص ويشرحون لهم معانيها وما يستنبط منها، فهو نور
قوي يتبين به الشيء كما هو ما دامت المرآة صافية، وأما ما ينعكس عن هذا النور
على الجدار الثاني وما بعده فبعضها أضعف من بعض ولا تتبين بها الأشياء بجلاء
تعرف به حقيقتها وصفاتها كما ينبغي، بل كثيرا ما تخفى، وما يقع فيها الاشتباه،
{يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا * فأما الذين آمنوا
بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما} (النساء: 174-175) .
5- يشتبه على أكثر الناس الفرق بين تلقي عوام السلف العلم والدين عن أهله