تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقضون حوائجهم بأنفسهم ولا يخطر في بالهم غير ذلك، ومنهم من يسمي دعاءه

توسلا واستشفاعا، ولا سيما إذا أنكر عليه، وهذا عين ما حكاه القرآن عن مشركي

العرب، ولم يعتد بإيمانهم حتى يتركوه، وقال فيهم: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا

وهم مشركون} (يوسف: 106) ، ومن هؤلاء الذين يعدون هذا تأولا المذعنون

للأمر والنهي الملتزمون للفرائض المتأثمون من المعاصي، وفيهم وقع الإشكال فيما

يظهر؛ لأن تكفير المؤمن المتأول المعين فيه خطر عظيم، ولا سيما في هذا الزمان

الذي ترك أكثر أهله علم الدين على الوجه الذي كان معروفا عند سلف الأمة أهل

الحق.

وإننا نمهد للجواب التفصيلي الشافي تمهيدا نراه ضروريا فنقول:

1- إن قواعد العقائد وأصول الإيمان وأحكام الإسلام والردة المجمع عليها

والمسائل الاعتقادية والفرعية المختلف فيها كلها مقررة في الكتب، وإن كل مسلم

مكلف أن يعرف الفرائض العينية منها، وأن يبذل جهده فيما في تطبيق الوقائع

والنوازل التي تعرض له على ما عرف، ومن ذلك الجهد سؤال العارفين واستفتاء

المفتين فيما يشكل عليه من ذلك إلى أن يهتدي إلى الحكم المنطبق على الواقعة،

فهذا اجتهاد عملي يطالب به العوام كالعلماء، كالاجتهاد في القبلة في حالة البعد عن

الكعبة المشرفة، وعدم المحاريب المتواترة.

وإن لأحوال الزمان والمكان تأثيرا عظيما في هذا الاجتهاد العملي؛ من مظاهره

أنك ترى الناس يستنكرون البدع عند ظهورها أشد الاستنكار، وربما بالغوا في ذلك

فجعلوا المباح محظورا كالبدع في العادات والماعون والأزياء، وكم كتب بعض

المشتغلين بالعلم رسائل وكتبا في تحريم بعض هذه المستحدثات في أول العهد

بظهورها، كالأحذية الشائعة التي تسمى في مصر بالجزم (جمع جزمة) ، وفي الشام

بالكنادر واللساتيك، ومنها ما يسميه الفريقان (البوتين) ، وإذا شاعت المنكرات

الدينية وعمت تصير عند الجمهور كالمباحات، بل يجعلون بعضها في عداد

المسنونات والشعائر الدينية، ولا سيما في هذا الزمان الذي ترك فيه الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر في أكثر البلاد التي يقطنها المسلمون، بل صار كثير من

المحظورات المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة من المباحات في حكم القانون

المتبع كالربا والزنا وشرب الخمر، فمن يعيش في أمثال هذه البلاد لا يكون نظره في

تطبيق الأعمال على القواعد والأحكام الشرعية كمن يعيش في بلاد نجد التي لا يكاد

يرى فيها شيئا من أمثل هذه المنكرات فاشيا مألوفا، ولا يسمع فيها بحكم من حاكم غير

مستند إلى نص من كتب الفقه المعتبرة، لذلك ينقل عن بعض عوامهم تكفير مرتكب

بعض المعاصي ولو غير قطعية، وفي مصر لا يكفر التارك لجميع أركان الإسلام

والمستبيح لأكبر الفواحش بالإصرار على المجاهرة بها بلا مبالاة.

2- قد اختلف مصنفو الكتب الكلامية والفقهية اختلافا واسع النطاق في مسائل

الكفر والردة من حيث الأدلة ومن حيث تطبيقها على الأعمال والناس، وناهيك

بتشديد من ناطوا هذه المسائل باللوازم القريبة والبعيدة للأحكام القطعية أو الظنية

القوية كمن كفروا من حقر عالما، أو قال أو فعل ما ينافي احترام كتاب شرعي أو

فتوى شرعية بالإلقاء على الأرض، أو القول ببطلان الفتوى أو عدم قبولها؛ إذ عدوا

أن إهانة الفقيه أو فتواه أو الكتاب تستلزم إهانة الشرع، وأن عدم الإذعان والاحترام

للفتوى يستلزم رفض الشرع والدين، وقد يعدون من الإهانة وعدم الاحترام ما ليس

منه في الواقع، أو في عرف الفاعل وقصده، ويوجد في هذه الكتب - ولا سيما

تصانيف المتأخرين منها - من الأقوال ما لا يمكن إثباته شرعا، وفي بعضها تأييد

للبدع المخلة بأصول الدين وفروعه.

3- قد وقع من جراء ما ذكر ما نراه ونشكو منه في هذه البلاد من الفوضى في

العلوم الدينية وتطبيقها على الأعمال المجرئة لأحد المنتمين إلى طريق المتصوفة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٤١