الخاسرة؛ لأنهم خسروا بولايتهم الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وإن
كانوا عنه لمن الغافلين {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون *
فذرهم في غمرتهم حتى حين * أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم
في الخيرات بل لا يشعرون} (المؤمنون: 53-56) .
فيا قوم إني لكم ناصح أمين، على علم بالحق المبين من هداية القرآن، وأحوال
الزمان، أن لا تعبدوا إلا الله، ولا تيأسوا من روح الله {وأن استغفروا ربكم ثم
توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا
فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} (هود: 3) أخاف عليكم عذاب يوم القيامة
الأولى، قبل عذاب يوم القيامة الأخرى، يوم الخزي والنكال، بفقد بقية الاستقلال،
فقابلوا أولياء الشيطان، بما أمركم به الرحمن، من غير تحريف ولا تصحيف في
القرآن، ولا تغرنكم أيمان أئمة ليس لهم إيمان، ولا يصدنكم عن آيات الله سبب ولا
نسب، ولا رغب ولا رهب، ولا ورق ولا ذهب، فقد برح الخفاء وانكشفت الظلمة،
فلا يكن أمركم عليكم غمة {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف
تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} (الأنعام: 135) .
وما لي لا أخص بالتذكير قومي وعشيرتي، بعد التذكير العام لجميع شعوب
أمتي، بما يشد أسر الجماعة ويضع عنها إصرها، ويحكم أواصر الجامعة ويرفع
لها ذكرها، وهم لا يزالون أشد تلك الشعوب تخاذلا وتواكلا، وأضعفهم تعاونا
وتكافلا، وأكثرهم تباغيا وتفاشلا، وتماحكا وتماحلا، وأقلهم تحالفا وتناصرا،
وتظافرا وتظاهرا، اتحد مسلمو مصر مع القبط فيما يفيد في الدنيا ولا يضر بالدين،
وتعاون مسلمو الهند كذلك مع الوثنيين، وتناصر مسلمو الترك مع الروس أعدى
أعدائهم الأولين، ولكن تعذر الاتفاق في الجزيرة بين أبناء الدين الواحد، واللغة
الواحدة والوطن الواحد، كما تعذر الاتحاد في قطر آخر بين السهل والجبل، بل
بين بلد وبلد، ولولا أن هذه الأمة مرحومة لأبسلت بذنوبها، وهلكت بتفريطها في
أمرها، ومن رحمة الله بها أن باب التوبة لا يزال مفتوحا في وجهها، وأن مسالك
النجاة ما فتئت مرجوة لها، فما عليها إلا أن تأتي البيوت من أبوابها، وتطلب
المسببات من أسبابها، بتغيير ما أوقعها في سابق غرورها، والتواكل في أمورها،
والاتكال على أيمان مبيرها {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم * كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا
بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين * إن شر
الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون
عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} (الأنفال: 53-56) فتدبروا سائر الآيات
وأنتم لا تظلمون ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون﴾ (الجاثية: 20) .
استدار الزمان، ووقع من التطور الاجتماعي ما لم يكن في الحسبان، وسيندك
ما بقي من صروح الاستبداد، وينطلق سائر المستعبدين من مقاطر الاستعباد،
بفضل التظافر والتظاهر والاتحاد، وإنما الذل والهوان، والخزي والخذلان،
والبغي والعدوان، على أهل النفاق والدهان، والمتفرقين في المذاهب والأديان،
والمتعادين في الزعامات والبلدان، والمغرورين بالعهود والأيمان، والقوانين
وحقوق الإنسان، والمخدوعين بكلم العدل والمدنية، والمساواة والحرية، والرحمة
الإنسانية، وإنما المعاهدات حجج الأقوياء على الضعفاء، ولا وجود للعدل
والمساواة، إلا حيث العجز عن الظلم والمحاباة، ولا حق في الحرية ولا في
الرحمة، إلا لذوي الأيد والحرمة، والعاقل لا يظلم فكيف إذا كان أمة [1] ؟ على أن
قاموس السياسة تكثر فيه أسماء الأضداد، فلا تنافي فيه بين التحرير والاستعباد،
ولا تضاد بين الحماية والاستقلال، ولا تناقض بين الإساءة والإحسان، ولا