تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخائبين {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها

يستهزءون} (الروم: 10) .

سبحانك اللهم وبحمدك أنت الواحد القهار، مكور النهار على الليل ومكور

الليل على النهار، الكبرياء رداؤك، والعظمة إزارك، من نازعك فيهما قصمته،

وقد صرفت عن آياتك الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، مغترين بما

استدرجتهم به من شدة القوة وسعة الرزق، فلم يعتبروا بما حل من قبلهم ممن كانوا

أشد منهم قوة، ولم يتعظوا بما أنزلت من آيات الوحي وشرعت من هدي النبوة،

واجعل ذلك تربية للمستضعين المتفرقين، وقهرك إياهم سلاما ورحمة لجميع

العالمين، يعلو بها الحق على الباطل، ويقضي بها العدل على الظلم، ويغلب

القصد والاعتدال والإيثار، على السرف والأثرة والاستكبار، فقد ضاق البشر ذرعا

بطمع الأغنياء المسرفين، وطغيان الرؤساء الجبارين، الذين طغوا في البلاد

فأكثروا فيها الفساد، واستكبروا على العباد فاستعبدوا الجماعات والشعوب للأفراد،

{أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم

بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون *

أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع

على قلوبهم فهم لا يسمعون} (الأعراف: 97-100) .

لقد أنذرنا أكابر الساسة في مثل هذه الفاتحة منذ عامين، أن ترك تنفيذ قواعد

العدل العام وحرية الأمم لا بد لها من إحدى العاقبتين، بقولنا: إن لا تفعلوه تكن

فتنة في الأرض وفساد كبير، وانقلاب بلشفي شره مستطير، أو تعود الحرب

جذعة، بهذه السياسة الخدعة الخباة الطلعة {والذين يمكرون السيئات لهم عذاب

شديد ومكر أولئك هو يبور} (فاطر: 10) ، {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا

يغرنكم بالله الغرور} (فاطر: 5) ، وقد صدقت الآيات ولم تغن النذر، واتبع

المنذرون أهواءهم وكل أمر مستقر، فهذه الأرض تضطرم بنيران الفتن والفساد،

والانقلاب البلشفي كل يوم في ازدياد، وإنما هو شر على منهومي المال، ومستعبدي

الأقوام ومذلي الأقيال، وقد يشقى ناس فيسعد بشقائهم آخرون، وتثل عروش قرى

عاتية فيرثها قوم آخرون {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في

الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة

ربك خير مما يجمعون * ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن

لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} (الزخرف: 32-33) .

إن الناس لن يكونوا أمة واحدة، ولن تخضع الأمم منهم لأمة واحدة، ويا أيها

المثرون المترفون والرأسماليون الطامعون، إن طلب الزيادة ينتهي بالوقوع في

النقصان، وإن السواد الأعظم من البشر لا يرضى أن يكون عبدا خادما لأفراد من

الأعيان، وإن سنة رد الفعل سيكون لها القول الفصل، والحكم العدل، ولكن

المجرمين يرون العدل عقابا والمساواة بين الناس عذابا، فكيف إذا سبقه الجزاء

على الظلم السابق، والإفراط الماحق، وكان تنفيذه على المعاندين، بمثل القسوة

التي كانوا يسومونها الضعفاء المساكين؟ وإن تبتم قبل أن يحاط بكم فهو خير لكم

﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (البقرة: 279) {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى

وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون} (الأحقاف: 27) .

وأنت يا أيتها الأمة الأمية التي عاودها الارتكاس في عصبية الجاهلية، إلام

هذا التفرق والانقسام، بعد تلك السعادة بالوحدة والاعتصام؟ وحتام تلدغين من

الجحر الواحد مرارا عديدة، وقد حذرت من المرتين، وسمعت النذر بالأذنين،

ورأيت العبر بالعينين، ولمست العواقب باليدين؟ وإلى متى تغترين بالمظاهر

والألقاب، وتدعين الفرص تمر بك مر السحاب؟ تداعت عليك الأمم كما أخبرك

النذير؛ إذ كان لهم منك أي ولي وظهير، ورأيت الذين في قلوبهم مرض يسارعون

فيهم يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة. وابتغوا عندهم العزة والثروة، فكانت كرتهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢