الجامع الكبير كما ذكر في الإكمال من كنز العمال وهو: أن عائشة قالت: دخل
علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا عليل يئن فقلنا له: اسكت. فقال:
(دعوه يئن، فإن الأنين اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه العليل) والمعترض
ذكر لحديث أبي هريرة سببا مثل هذا، وهو ناقل له عن بعض كتب الطريقة،
وليس هو المخترع له، ومن المعروف عند العلماء أن الحديث كغيره من العلوم له
أئمة يؤخذ عنهم، فلا يعتد إلا بما رووه، ولا يحتج بشيء مما رووه إلا إذا
صححوا سنده، أو حسنوه، وإن كتب الصوفية وكتب التاريخ والأدب يكثر فيها
الأحاديث الموضوعة والواهية التي لا يجوز العمل بها؛ لا في فضائل الأعمال، ولا
في غيرها، بل يوجد أمثال هذه الأحاديث في كتب التفسير والكلام (العقائد
وفلسفتها) ؛ لأن أكثر مصنفيها من غير المحدثين، وهذا كتاب إحياء العلوم من أشهر
الكتب، ومؤلفه من أكبر أئمة المتكلمين والفقهاء الصوفية، وهو يشتمل على كثير من
الأحاديث الموضوعة والواهية التي لا يجيز أحد من الأئمة العمل بها في الفضائل،
فضلا عن الاحتجاج بها في إثبات أسماء الله تعالى وصفاته، وشرعية عبادة لا دليل
لها سواها.
(2) قال الشيخ محمد الحوت الكبير في كتابه الذي بين فيه ما في الجامع
الصغير من الأحاديث الضعيفة؛ أي: والموضوعة عند ذكر حديث (دعوه يئن) :
لكن هذا لم يرد في حديث صحيح ولا حسن، وأسماؤه تعالى توقيفية اه.
(3) مما يدل على أن هذا الحديث مصنوع ليس له أصل: عدم ذكر أحد له
من المحدثين، ولا فقهاء الحديث في الكتب التي لا يهملون فيها مثله؛ ككتب لغة
الحديث وشروحه وفقه الحديث، فهذا الحافظ ابن الأثير لم يذكر كلمة الأنين في كتابه
النهاية الذي وضعه لتفسير مفردات الأحاديث، ولم يذكرها صاحب مجمع البحار في
كتابه ولا في تكملته على عنايته باستقصاء ما تركه صاحب النهاية.
ولم يذكره حفاظ الحديث والفقهاء في بحث حكم الأنين شرعا هل هو مكروه
أم لا، وقد اعتمد أعلم الفقهاء بالأحاديث كراهته ونظر بعضهم فيها، ولو ثبت
هذا الحديث عندهم لقالوا: إنه مستحب أو مسنون.
(4) قال الحافظ ابن حجر في شرحه حديث تفجع عائشة من وجع رأسها
وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها: (ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك)
وهو في كتاب المرضى من صحيح البخاري ما نصه: قال القرطبي: اختلف الناس
في هذا الباب (المنار: يعني باب الشكوى في المرض ونحوه هل يقدح في الرضا من
الله والتسليم أم لا؟ والتحقيق أن الألم لا يقدر أحد على رفعه، والنفوس مجبولة على
وجدان ذلك، فلا يستطيع تغييرها عما جبلت عليه، وإنما كلف العبد أن لا يقع منه في
حال المصيبة ما له سبيل إلى تركه؛ كالمبالغة في التأوه، والجزع الزائد، كأن من
فعل ذلك خرج عن معاني أهل الصبر، وأما مجرد التشكي فليس مذموما حتى يحصل
التسخط للمقدور، وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه وشكواه، إنما هو ذكره
للناس على سبيل التضجر، والله أعلم.
(قال) : روى أحمد في الزهد عن طاوس أنه قال: أنين المريض
شكوى. وجزم أبو الطيب الصباغ وجماعة من الشافعية أن أنين المريض وتأوهه
مكروه، وتعقبه النووي، فقال: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه نهي
مقصود، وهذا لم يثبت فيه ذلك، ثم احتج بحديث عائشة في الباب، ثم قال: فلعلهم
أرادوا بالكراهة خلاف الأولى، فإنه لا شك أن اشتغاله بالذكر أولى. انتهى.
ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرة الشكوى تدل على ضعف اليقين، وتشعر
بالتسخط للقضاء، وتورث شماتة الأعداء، وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه
عن حاله، فلا بأس به اتفاقا , اه ما أورده الحافظ في شرح حديث عائشة من
البخاري، ولو كان لها حديث في شرعية الأنين لذكره النووي أو الحافظ الذي قال فيه
بعض العلماء: إن كل حديث قال الحافظ ابن حجر: لا أعرفه. فليس بحديث؛