صحيح مسلم مرفوعا: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل
بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان
عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم
شيء) [3] وأخرجه الترمذي عنه بلفظ: (من سن سنة خير.. ومن سن سنة
شر..) فالمراد بالسنة هنا معناها اللغوي وهو الطريقة المسلوكة؛ إذ كان سبب
الحديث أن قوما من مضر جاؤوا النبي - صلى الله عليه وسلم - حفاة عراة
فتمعر وجهه الشريف لما رأى بهم من الفاقة، فأمر بلالا، فأذن وأقام، فصلى بالناس
ثم خطب، فحث على التصدق من النقد والثياب والطعام، فتلبث الناس حتى كان
رجل من الأنصار بدأ بأن جاء بصرة كادت كفه تعجز عنها لكبرها بل عجزت،
ثم تتابع الناس فكان ما جاؤوا به كومين من طعام وثياب، حتى تهلل وجه النبي -
صلى الله عليه وسلم - وقال: (من سن في الإسلام) إلخ، فالمراد بالسنة هنا
العمل الذي يكون به صاحبه قدوة فيه، سواء كان اتباعا كفعل ذلك الأنصاري وهو
السنة الحسنة، أو ابتداعا وهو السنة السيئة، وليس من السنة الحسنة أن يسن في
الدين عبادة جديدة ولو في الهيئة والصورة، نعم، قد يدخل في السنة الحسنة كل
اختراع دنيوي ينفع الناس في دينهم أو دنياهم، ويشترط في الثاني أن لا يكون
محظورا شرعا في نفسه ولا فيما يترتب عليه ويلازمه، وقد تضمن كلام الشيخ
إنكار جميع البدع وبيان حظرها، وحظر الإعانة عليها والسكوت عنها، كل
ذلك محرم شرعا، والحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما من
عزائم الدين بل هما سياجه وحفاظه.
ونحمد الله أننا قد جرينا على هذه الأصول والقواعد في المنار، وما زال كثير
من المعممين الجاهلين أو الحاسدين ينكر علينا بناء الإصلاح الديني على اتباع
الكتاب والسنة وإنكار البدع كلها حقيقية كانت أو إضافية.
ونرجو من الشيخ، وهو رئيس للمعاهد الدينية في هذا القطر كله أن يجعل
العمل بهذه الفتوى مبدأ إصلاح جديد في الأزهر وسائر المعاهد الدينية قبل غيرها،
فإن البدع ومخالفة السنن كثيرة فيها حتى في عماد الدين، الصلاة، فقد صليت
الجمعة من عهد قريب في الجامع الأزهر، فوجدت قشر البصل وأوراقه الخضر
وقشر البيض منثورة في مواضع من المسجد، ووجدت المجاورين وغيرهم متحلقين
في صحنه يتكلمون وقت الخطبة، ووجدت الصفوف غير تامة ويبعد بعضها عن
بعض بعدا واسعا، وغير ذلك من المنكرات، كما نرجو منه أن يبطل من عقاب
مخالفي قانون المعاهد الحرمان من دروس العلم، فإنه يتضمن المنع من طاعة الله
تعالى وعبادته بتلقي علوم الدين: وسائلها، ومقاصدها، والله الموفق.
***
الرد على المعترض على الفتوى
انبرى أحد مشايخ الطريقة الشاذلية للرد على الفتوى وإثبات ما يسمونه
(اسم الصدر) وكون التعبد به مشروعا، فاستدل على الاسم بحديث عزاه إلى
صحيح مسلم، وحديث عزاه إلى الحاكم، وبكلام بعض المصنفين.
أما الحديث الأول فنص عبارته فيه: ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي
الله عنه أنه رأى مريضا كان يئن في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
فنهاه بعضهم عن الأنين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم (دعوه يئن فإنه
يذكر اسما من أسمائه تعالى) وقد كذبه من رد عليه من الإسكندرية بعزو هذا الحديث
إلى صحيح مسلم، وطالبه ببيان مكانه منه، وذكر أن السيوطي عزاه في الجامع
الصغير إلى الرافعي، وأنه لم يصححه أحد من المحدثين، وأنه على فرض صحته لا
يدل على مطلوبه، وهو مصيب في هذه الأقوال كلها، ولكنها غير كافية في الرد
عليه، فنزيد عليه ما يأتي من الدلائل والفوائد:
(1) أن المعترض زعم أن هذا الحديث من مسند أبي هريرة المخرجة في
صحيح مسلم، وليس في صحيح مسلم ولا في غيره من كتب الحيدث. والحديث الذي
عزاه السيوطي في جامعه إلى الرافعي من مسند عائشة، وبين السيوطي سببه في