تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون

[الواقعة: 83-84]. و " كلا " في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجز أن كلا من الطائع المؤمن، والعاصي الكافر، سوف يلقى جزاءه ثوابا أو عقابا. أما قوله سبحانه: ﴿ لما ﴾ في نفس الآية، فنحن نعلم أن " لما " تستعمل في اللغة بمعنى " الحين " و " الزمان " مثل قول الحق سبحانه:

ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه..

[الأعراف: 143]. ومثل قوله سبحانه:

ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف..

[يوسف: 94]. أي حين فصلت العير وخرجت من مصر قال أبوهم:

إني لأجد ريح يوسف..

[يوسف: 94]. و " لما " تأتي أيضا للنفي مثل قوله سبحانه:

قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم..

[الحجرات: 14]. أي: أن الإيمان لم يدخل قلوبهم بعد، وتحمل كلمة " لما " الإذن بأن الإيمان سوف يدخل قلوبهم بعد ذلك. وحين تستخدم كلمة " لما " في النفي تكون " حرفا " مثلها مثل كلمة " لم " ، ولكنها تختلف عن " لم " لأن " لم " تجزم الفعل المضارع، ولا يتصل نفيها بساعة الكلام، بل بما مضى، وقد يتغير الموقف. أما " لما " فيتصل نفيها إلى وقت الكلام، وفيها إيذان بأن يحدث ما تنفيه. وهكذا نفهم أن قول الحق سبحانه: ﴿ وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير ﴾ [هود: 111]. أي: أن كلا من الطائع والعاصي سيوفى حسابه وجزاؤه ثوابا أو عقابا، حين يأتي أجل التوفية، وهو يوم القيامة. وقد جاءت " لما " لتخدم فكرة العقوبة التي كانت تأتي في الدنيا، وشاء الله سبحانه أن يؤجل العقوبة للكافرين إلى الآخرة، وأنسب حرف للتعبير عن ذلك هو " لما ". وحين تقرأ ﴿ ليوفينهم ﴾ تجد اللام، وهي لام القسم بأن الحق سبحانه سيوفيهم حسابهم إن ثوابا أو عقابا. والله سبحانه بما يفعل العباد خبير، هو سبحانه يعلم أفعال العبد قبل أن تقع، ولكنها حين تقع لا يمكن أن تنسى أو تذهب أدراج الرياح لأن من يعلمها هو " الخبير " صاحب العلم الدقيق، والخبير يختلف عن العالم الذي قد يعلم الإجماليات، لكن الخبير هو المدرب على التخصص. ولذلك غالبا ما تأتي كلمتا " اللطيف والخبير " معا لأن الخبير هو من يعلم مواقع الأشياء، واللطيف هو من يعرف الوصول إلى مواقع تلك الأشياء. ومثال هذا: أنك قد تعرف مكان اختباء رجل في جبل مثلا، هذه المعرفة وهذه الخبرة لا تكفيان للوصول والنفاذ إلى مكانه، بل إن هذا يحتاج إلى ما هو أكثر، وهو الدقة واللطف. والحق سبحانه جاء بهذا الحديث عن موسى عليه السلام ليسلي رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن بعضا من الكافرين برسالة محمد عليه الصلاة والسلام قالوا: ما دام الله يأتي بالعذاب ليبيد من يكفرون برسله، فلماذا لا يأتي لنا العذاب؟ ولهذا جاء ما يخبر هؤلاء بأن الحق سبحانه سيوقع العقوبة على الكافرين، لا محالة، فإياك أن يخادعوك - يا رسول الله - في شيء، أو يساوموك على شيء، مثلما قالوا: نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة.

وقد سبق أن قطع الحق سبحانه هذا الأمر بأن أنزل:

قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم

[الكافرون: 1-4]. وهذا هو قطع العلاقات التام في تلك المسألة التي لا تقبل المساومة، وهي العبادة. ونحن نعلم أن العبادة أمر قلبي، لا يمكن المساومة فيه، وقطع العلاقات في مثل هذا الأمر أمر واجب لأنه لا يمكن التفاوض حوله فهي ليست علاقات ظرف سياسي، ولكنه أمر رباني، يحكمه الحق سبحانه وحده. وقول الحق سبحانه:

لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم

[الكافرون: 2-4]. هذا القول الكريم يشعر من يسمعه ويقرؤه أنهم سيظلون على عبادة غير الله، وأن محمدا سيظل على عبادة الله، وأن كلمة " الله " ستعلو لأن الحق سبحانه يأتي بعد سورة " الكافرين " بقوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٨٤