" ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ".
فمعية الله أضفت عليهما شيئا من جلاله وجماله، والله سبحانه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار. وقد أنجى الحق سبحانه شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منه سبحانه، والرحمة ألا يصيبك شيء. ومثال ذلك: إن الإنسان يعالج فيشفى، ومرة أخرى يحميه الله من الداء. ولذلك انتبهوا إلى حقيقة أن القرآن قد جاء بأمرين: شفاء، ورحمة، فإذا كان هناك داء وترجعه إلى منهج الله فالحق سبحانه يشفيه، والرحمة ألا يصيبك الداء من البداية. وأما الذين ظلموا فقد أخذتهم الصيحة، وفي آية أخرى يقول سبحانه:
وأخذ الذين ظلموا الصيحة..
[هود: 67]. وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه: ﴿ وأخذت الذين ظلموا الصيحة.. ﴾ [هود: 94]. لأن القرآن على جمهرته جاء على لغة قريش، لا ليعلي قريشا ولكن لأن لغة قريش كانت مصفاة من جميع القبائل العربية، فهي تملك صفوة لغة كل القبائل، ولكن لم يكن ذلك يعني أن نطمس بقية القبائل. ولذلك جاء في القرآن بعض من لغات القبائل الأخرى، حتى لا يعطي لقريش سيادة في الإسلام كما كان لها سيادة في الجاهلية، لذلك يأتي بلغات القبائل الأخرى، فمرة يأتي بتاء التأنيث ومرة لا يأتي بها. والتأنيث إما أن يكون حقيقيا أو مجازيا. والتأنيث الحقيقي هو المقابل للمذكر، مثل: المرأة. والتأنيث المجازي مثل: " الصيحة " و " الحجرة ". وكانت القبائل العربية تتجاوز في المؤنث المجازي فمرة تأتي " التاء " ومرة لا تأتي. وإن كان هناك فصل بين الفعل والفاعل، فالفاصل قائم مقام التأنيث فيقول سبحانه:
وأخذ الذين ظلموا الصيحة..
[هود: 67]. فكأن الصيحة لها مقدرة على أن تأخذ بما أودعه فيها مرسل الصيحة من قوة الأخذ، وأخذه أليم شديد. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿.. فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ [هود: 94]. ونلحظ أن كل عذاب إنما يحدد له الحق سبحانه موعدا هو الصبح، مثل قوله تعالى:
.. إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب
[هود: 81]. ومثل قوله الحق:
.. فسآء صباح المنذرين
[الصافات: 177]. والصبح هو وقت الهجمة على الغافل الذي لم يغادره النوم بعد، مثل زوار الفجر الذين يقبضون على الناس قبيل النهار.
ويقول الحق سبحانه: ﴿.. فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ [هود: 94]. ولم يقل سبحانه: " فأصبحوا في دارهم جاثمين " لأن بعضهم قد لا يكون في بيته، بل في مكان آخر لزيارة أو تجارة. ومثال ذلك: قصة أبي رغال، وكان في مكة، لكن الحجر الذي قتله بإرادة الله سبحانه نزل عليه في البقاع ولم ينزل عليه الحجر في مكة لأن الله سبحانه قد شاء ألا ينزل عليه الحجر في البيت الحرام، الآمن، وكأن الحجر قد تتبعه، مثلما تتبعت الصيحة الكفار من أهل مدين. ونلحظ في الكلمة الأخيرة من هذه الآية الكريمة وهي " جاثمين " أن حرفي " الجيم " و " الثاء " حين يجتمعان معا - بصرف النظر عن الحرف الثالث - ففيهما شيء من الهلاك، وشيء من الغنائية. ومعنى " جاثمين " أي: ملقون على بطونهم بلا حراك. والحق سبحانه يقول:
وترى كل أمة جاثية..
[الجاثية: 28]. أي: يركع كل من فيها على ركبتيه. ويقال عن الميت: " الجثة ". وانظروا إلى عظمة الحق سبحانه حين يجعل الناس تنطق لفظ " الجثة " تعبيرا عن أي " ميت " عظيما كان أم وضيعا، ثم توضع جثته في القبر، لتحتضنه أمه الأولى الأرض. ومن يرغب في تهدئة إنسان ملتاع وغاضب لموت عزيز عليه، فليقل له: هل تتحمل جثمانه أسبوعا؟ وسوف يجيب: " لا ". إذن: فبمجرد أن ينزع الله سبحانه السر الذي به كان الإنسان إنسانا، وهو الروح، يصبح الإنسان جثة ثم يتخشب، ثم يرم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك وصفا لمن أخذتهم الصيحة من أهل " مدين ": ﴿ كأن لم يغنوا فيهآ... ﴾.