فما بكت عليهم السمآء والأرض
[الدخان: 29]. وما دام الحق سبحانه وتعالى قد نفى بكاء السماوات والأرض على قوم فرعون ففي المقابل فلا بد أنها تبكي على قوم آخرين لأن السماوات والأرض من المسخرات للتسبيح، وقال الحق سبحانه عنهما:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها..
[الأحزاب: 72]. وبهذا القول اختارت كل من السماوات والأرض مكانة الكائنات المسبحة، مصداقا لقول الحق سبحانه:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده..
[الإسراء: 44]. فإذا رأت السماوات والأرض إنسانا مسبحا فلا بد أن تحبه، وإن رأت إنسانا كافرا، معاندا فلا بد أن تكرهه. وما دامت السماوات والأرض لم تبك على قوم فرعون فذلك لأنهم ضالون لأنها لا تبكي إلا على المهديين. وقد حل لنا الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - هذه المسألة فقال: " إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في الأرض، وموضع في السماء، أما موضعه الذي في الأرض فمصلاه، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله ". لأن موضعه الذي كان يصلي فيه يحرم من أن واحدا كان يصلي فيه، وأما موضعه الذي كان يصعد منه عمله فيفتقد رائحة عبور العمل الصالح.
فإن أردت بالصلاة الدين وهي رمز الدين فللصلاة أمر هو نفس أمر الدين، وهي الأمر بالإيمان الحق، لأن الإيمان المقلد لا نفع له. إذن: فقد أراد أهل مدين التهكم على دعوة شعيب لهم وتساءلوا: ﴿ أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ.. ﴾ [هود: 87]. وهذا القول يحمل أيضا ردهم على دعوته لهم ألا يعبدوا غير الله فلا إله غيره وردوا كذلك على دعوته لهم ألا ينقصوا الكيل والميزان وألا يبخسوا الناس أشياءهم وأن يتيقنوا أن ما يبقى عند الله هو الخير لهم، وألا يعثوا في الأرض مفسدين. وقالوا: أتنهانا أيضا عن أن نفعل بأموالنا ما نشاء؟ وكأنهم قد عميت بصيرتهم لأنهم إن أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون فغيرهم سيبيحون لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون وستصطدم المصالح، ويخسر الجميع. وقولهم: ﴿ إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ [هود: 87]. استمرار في التهكم الذي بدءوه بقولهم: ﴿ أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ.. ﴾ [هود: 87]. مثلهم في ذلك مثل منافقي المدينة الذين قالوا للأنصار:
لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا..
[المنافقون: 7]. وكانوا يريدون أن يضربوا المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وقد قالوا: ﴿ رسول الله ﴾ تهكما وهم يحرضون أثرياء المدينة على تجويع المهاجرين. ومثلهم - أيضا - مثل قوم لوط حين نهاهم عن فعل تلك الفحشاء فقالوا تهكما منه وممن آمن معه:
أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون
[الأعراف: 82]. فهل تطهرهم علة للإخراج من القرية، ولكنهم قالوا هذا لأنهم لا يريدون أن يكون بينهم من يعكر ما هم فيه. وهذا مثلما نسمع في حياتنا من يقول: " لا تستعن بفلان لأنه حنبلي ". هم - إذن - قد قالوا: ﴿.. إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ [هود: 87]. وهذا منطق السخرية منه لأنه لم يوافقهم على عبادة غير الله ولم يوافقهم على إنقاص الكيل والميزان ونهاهم عن بخس الناس أشياءهم. وإذا قيل حكم وهو حق ويقوله من لا يؤمن به فهو يقصد به الهزء والسخرية. وهو لون من التهكم جاء في القرآن الكريم في مواضع متعددة فنجد الحق سبحانه يقول لمن تجبر وطغى في الدنيا ويلقى عذاب السعير في الآخرة:
ذق إنك أنت العزيز الكريم
[الدخان: 49]. وكذلك يقول الحق سبحانه:
وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه
[الكهف: 29]. وفي كل من القولين تهكم وسخرية، وكذلك قولهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ أصلوتك تأمرك.. ﴾ [هود: 87]. وهذا قول يحمل التهكم بصلاته. وكذلك قولهم: ﴿.. إنك لأنت الحليم الرشيد ﴾ [هود: 87]. يعني التساؤل: كيف يصح لك وأنت العاقل الحليم أن تتورط وتقول لنا: