فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم
[الأحقاف: 24]. إذن: فلا تأخذ الأسباب على أنها رتابة إنما رب الأسباب يملكها فإن شاء فعل ما يشاء. وإذا ما عبدت الله تعالى العبادة التي تنتظم بها كل حركة في الحياة فأنت تقبل على عمارة الأرض وتوفر لنفسك القوت باستنباطه من الأسباب التي طمرها الله سبحانه وتعالى في الأرض. والقوت - كما نعلم - من جنس الأرض لذلك لا بد أن نزرع الأرض وتمد البذور جذورها الضارعة المسبحة الساجدة لله تعالى فيمطر الحق سبحانه السماء فتأخذ البذور حاجتها من الماء المتسرب إليها عبر الأرض ونأخذ نحن أيضا حاجتنا من هذا الماء. والسماء هي كل ما علاك فأظلك أما السماء العليا فهذا موضوع آخر، وكل الأشياء دونها. وانظروا قول الحق سبحانه:
من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ
[الحج: 15]. أي: من كان يظن أن الله تعالى لن ينصر رسوله فليأت بحبل أو أي شيء ويربطه فيما علاه ويعلق نفسه فيه ولسوف يموت، وغيظه لن يرحل عنه. ﴿ يرسل السمآء عليكم مدرارا.. ﴾ [هود: 52]. والمدرار: هو الذي يدر بتتابع لا ضرر فيه لأن المطر قد يهطل بطغيان ضار، كما فتح الله سبحانه أبواب السماء بماء منهمر.
إذن: المدرار هو المطر الذي يتوالى تواليا مصلحا لا مفسدا. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول حين ينزل المطر:
" اللهم حوالينا ولا علينا ".
ومتى أرسل المطر مدرارا متتابعا مصلحا فالأرض تخضر وتعمر الدنيا ونزداد قوة إلى قوتنا. أما من يتولى فهو يجرم في حق نفسه لأن إجرام العبد إنما يعود على نفسه فلا تظن أن إجرام أي عبد بالمعصية يؤذي غيره. والحق سبحانه يقول:
.. ولكن الناس أنفسهم يظلمون
[يونس: 44]. ويأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بالرد الذي قاله قوم عاد: ﴿ قالوا يهود ما جئتنا ببينة... ﴾.