.. ولئن صبرتم لهو خير للصابرين
[النحل: 126]. فإن أزدت من قوة صفعتك تكون معتديا. ولعلنا نذكر مسرحية " تاجر البندقية " لشكسبير، وبطلها هذا التاجر اليهودي الذي أقرض رجلا مالا، وكان صك القرض يفرض أن يقتطع اليهودي رطلا من لحم المقترض إن تأخر في السداد. وتأخر المقترض في السداد، وأراد المرابي اليهودي أن يقتطع رطلا من لحم المقترض، وعرض الأمر على القاضي، وكان القاضي رجلا حكيما، وأراد أن يصدر حكما يتلمس فيه العدالة، فقال القاضي: لا مانع أن تأخذ رطلا من لحم الرجل هات السكين، واقطع رطلا واحدا بلا زيادة أو نقصان لأننا سنأخذ مقابل تلك الزيادة من لحمك أنت بنفس السكين، وكذلك إن قطعت من اللحم ما يقل عن الرطل، فسنقطع الناقص لك من لحمك أنت عقابا لك. وتردد المرابي اليهودي لأن الجزار - أي جزار - لا يمكن أن يضبط يده ليقطع رطلا مكتمل الوزن، بل يقطع أحيانا ما يزيد عن الوزن المطلوب، ويقطع أحيانا ما يقل عن الوزن المطلوب، ثم يكمل أو ينقص الوزن حسب كل حالة.
وانسحب المرابي اليهودي وتنازل عن دعواه، والذي دفعه إلى ذلك هو عدم قدرته على أخذ المثل، فلو كان قد ارتقى قليلا في مشاعره لما وصل إلى هذا الحكم. والحق سبحانه وتعالى يحضنا على أن نرد العدوان بمثله، وإن أردنا الارتقاء فلنكظم الغيظ، وإن أردنا الارتقاء أكثر فلنخرج الغيظ من القلب ولنكن من العافين عن الناس لننال محبة الله تعالى، لأنه سبحانه يقول:
.. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. وفي هذا يرتقي المؤمن بمنهج الله سبحانه، فيجعل المعتدى عليه هو الذي يحسن. وحين تريد أن تفسر حب الله سبحانه للمحسنين فلسفيا أو منطقيا أو اقتصاديا، ستجد القضية صحيحة، والله سبحانه وتعالى يقول:
وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم..
[النور: 22]. فإن أساء أخوك إليك سيئة، فإما أن ترد بالمثل، أو تكظم الغيظ أو ترقى إلى العفو، وبذلك تكون من المحسنين لأنك إذا كنت قد ارتكبت سيئة، وعلمت أن الله سبحانه وتعالى يغفرها لك، ألا تشعر بالسرور؟ إذن: فما دمت تريد أن يغفر الله تعالى لك السيئة عنده، فلماذا لا تعفو عن سيئة أخيك في حقك؟ وقول الحق سبحانه:
ألا تحبون أن يغفر الله لكم..
[النور: 22]. وقد جاء الحق سبحانه هنا من ناحية النفس، فجعل عفو العبد عن سيئة العبد بحسنة، فلعفو العبد ثمن عند الله تعالى لأن العبد سيأخذ مغفرة الله تعالى، وفوق ذلك فأنت تترك عقاب المسيء والانتقام منه لربك، وعند التسليم له راحة. ولو اقتصصت أنت ممن أساء إليك، فقصاصك على قدر قوتك، أما إن تركته إلى قدرة الله تعالى، فهذا أصعب وأشق لأنك تركته إلى قوة القوي. وهكذا ينال العافي عن المسيء مرتبة راقية لأنه جعل الله - سبحانه وتعالى - في جانبه. وهناك من يقول: كيف يأمر الدين الناس بأن يحسنوا لمن أساء إليهم؟ ويعلل ذلك بأنه أمر ضد النفس. ونقول: إن الإحسان إلى المسيء هو مرحلة ارتقاء، وليست تكليفا أصيلا لأن الحق سبحانه قد أباح أن نرد العدوان بمثله، ثم حث المؤمن على أن يكظم غيظه، أو يرتقي إلى العفو وأن يصل إلى الإحسان، وكل هذه ارتقاءات اليقين بالله سبحانه وتعالى. وانظر إلى نفسك - ولله المثل الأعلى ومنزه سبحانه عن كل مثل - إن أردت أن تطبق الأمر على ذاتك حين تجد ولدا من أولادك قد اعتدى على أخيه، فقلبك وعواطفك وتلطفاتك تكون مع المعتدى عليه. ومن يقول: كيف يكلفني الشرع بأن أحسن إلى من أساء إلي؟ نقول له: تذكر قول الحسن البصري رضي الله عنه: " أفلا أحسن لمن جعل الله في جانبي ". ولو طبق العالم هذه القاعدة بيقين وإخلاص لصارت الحياة على الأرض جنة معجلة، التسامح، قوامها القرب، ومنهجها الحب. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ﴾ [هود: 11]. وإن تسأل أحد: ولماذا ينالون المغفرة؟ نقول: لأنهم صبروا وغفروا لذلك يهديهم الله تعالى مغفرة من عنده، لأنه صبر على الإساءة، وغفر لمن أساء، فلا بد أن يثيبه الله تعالى، لا بالمغفرة فقط، ولكن بالأجر الكبير أيضا. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك... ﴾.