تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله..

[البينة: 5]. والفسق - إذن - مترتب على اختيار المأمور. وحين نتأمل نحن بالخواطر معنى: " أمر الله " نجد أن أمر الله يتمثل في التكوينات الطبيعية الكونية ولا يوجد لأحد قدرة على مخالفة الله في ذلك، فهو القائل:

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82]. ويتمثل أيضا أمر الله في التشريعات، وللبشر الذين نزلت لهم هذه التشريعات أن يختاروا بين الطاعة أو العصيان، وسبحانه القائل عن الأمر بالتشريع:

ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله..

[البينة: 5]. وحين يقول الحق:

وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها..

[الإسراء: 16]. فسبحانه لا يهلك هذه القرية ظلما، وإنما يرسل إليها المنهج، فإن أطاعوا فأهلا وسهلا، وإن عصوا فلابد لهم من العقاب بالدمار. وهكذا نرى أن العلماء الذين ظنوا أن الفسق مترتب على الأمر من الله لم يلتفتوا إلى أن ورود الأمر في القرآن الكريم جاء على لونين: أولا: أمر التكوين بالقهريات فلا يستطيع المأمور أن يتخلف عنه، ويمثل الأمر القهري قوله الحق:

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82] فالأمر جاهز في عالم الأزل ليبرز حين يشاء الحق. والأمر الثاني: هو الأمر التشريعي وهو صالح لأن يختار المكلف بين أن يطيع أو يعصي، وفي هذا الإطار نفهم قوله الحق:

وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا

[الإسراء: 16] فلا تقل: إن الله يأمر بالفسق فالحق قد أمر المؤمنين بالمنهج لأنه سبحانه لا يأمر بالفحشاء. بل جاء الأمر لكل البشر أن يعبدوا الله مخلصين له الدين، لكن كبار أهل هذه القرية أخذوا البديل للطاعة وهو الفسق والمعصية، فلما أمرهم ففسقوا ماذا يصنع بهم؟، هو سبحانه يدمرهم تدميرا. فإن كان في الكونيات فلا أحد من خلق الله مكلف في الكونيات، أما أمره الثاني في اتباع المنهج فلنا أن نفهم أنه الاختيار. وهكذا نعلم ونفهم معنى هذه الآية لتلتقي مع الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: أي وإذا أردنا أن نهلك قرية أنزلنا منهجا فأكابرها كانوا أسوة سيئة ففسقوا فيها بعدم إطاعة منهج الله فحق عليها القول فدمرناها تدميرا. وكذلك - أيضا - نفهم قوله الحق: ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ﴾ لأن المكر إنما يريد به الماكر أن يحقق شيئا من طريق ملتو لأنه ضعيف لا يمكن أن يواجه الحقائق، وهذه الحقائق تستقبلها الفطرة السليمة، وهو يريد تزييف المسألة على هذه الفطرة لذلك يلتوي. ولمثل هذا الماكر نقول: أنت تريد أن تحقق لنفسك خيرا عاجلا وشهوة موقوتة، ولكنك إن استحضرت العقوبة التي تنشأ من هذا الأمر بالنسبة لك. وكذلك عقوبتك على أنك أضللت الآخرين لرأيت كيف يأتي الشر. ﴿ وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ﴾ [الأنعام: 123]. أي لا يعلمون، لأنهم لا يوازنون الأمور بدقة تؤدي إلى النفع الحقيقي. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وإذا جآءتهم آية قالوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٩٥