ليتخذ بعضهم بعضا سخريا
[الزخرف: 32]. والناس لا تنظر في التسخير إلا للغني والفقير، ونقول: خذوا التسخير على أن كل واحد في الكون مسخر في الموهبة التي عنده، ومسخر له في المواهب التي ليست عنده. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يربط الناس بهذا ربطا قسريا وليس تفضليا لأن من عنده أولاد يريدون أن يأكلوا وامرأة تحتاج إلى أن تطعم ولا يملك نقودا، وليس أمامه من عمل سوى نزح المجاري، فيأتي بأدوات نزح المجاري، ويؤدي العمل ليعول من يعولهم، ولولا ارتباطه بضرورة الحياة له ولمن يعول لما عمل في مثل هذا العمل، إذن فهو مربوط ربطا ضروريا ليؤدي خدمة في الكون. ولو كان كل البشر يعيشون في رغد العيش أكان هناك من يتطوع لينزح المجاري؟ لا يحدث ذلك أبدا، لأنه عمل لا يأتي بالتفضل بل بالاحتياج. وهكذا نرى أن الخلافة في الأرض تقتضي استطراقا، وهذا الاستطراق لا يدوم كثيرا فمرة تكون القوة لإنسان ثم تذهب منه، ومرة يكون الثراء لإنسان ثم ينحسر عنه هذا الغنى، ولذلك أخبرنا الحق أنه جعل الأيام دولا بين الناس ليستقيم العالم بارتباط الضرورة في بعض الأعمال، وإن بدا لنا أن هناك مواهب تميز بين الناس في شكلهم، وفي هندامهم، وفي مطيتهم، تجد الطبيب يعمل في أكثر من مكان، وإن سار على رجليه لتعب، لذلك يشتري سيارة، ويظن من يراها أن السيارة امتياز لا مثيل له، متناسيا أن هذه السيارة تقضي مصالح الرجل ليخدم الآخرين.
مثال آخر: أنت إن نظرت إلى كوب الشاي الذي تشربه بمزاج وليس لضرورة حيوية، وإن جاءك من يقدم لك الشاي ليقول: إن الشاي قد نفد من المقهى، فتعطيه جنيها وتقول: هات كيسا من الشاي من عند البقال، ويذهب الغلام ليحضر علبة الشاي فيجد البقال وكأنه قد جهزها له، وأنت لا تعرف أن علبة الشاي هذه قد أخذت وقتا وعملا من اثنين أو ثلاثة لتصل إليك لأن الحق قد كلف أناسا ليزرعوا الشاي في بعض البلاد، وأناسا آخرين يستوردونه، ثم تأتيك علبة الشاي لتصنع منها كوبا لتشربه. إذن فالمسألة كلها تسخيرات لذلك توجد الفوارق الاجتماعية التي تقتضيها أعمالنا، ويذيب الحق هذه الفوارق بأن جعل في الصلاة استطراقا للجميع، وتلتفت ساعة يقول المؤذن: الله أكبر أن الكل قد جاء، الغني قبل الفقير، والخفير مع الأمير، ويخلع الجميع أقدارهم خارج المسجد مع نعالهم ليتساووا في الصلاة، ومن له رئيس يتكبر عليه يراه وهو ساجد مثله لله، فتريحه لحظة استطراق العبودية. ولنفرض أن كلا منا سيصلي بمفرده في الصلاة اليومية، لكن عندما يؤذن المؤذن لصلاة الجمعة، يأمرنا الحق أن نذر ونترك كل شيء لنؤدي صلاة الجمعة معا. ويرى الضعيف عظيما يتضرع مثله إلى الله، ويرى القوي نفسه وبجانبه الضعيف، وحين يعود كل منا إلى عمله تسقط أقنعة القوة والزهو لأننا جميعا نقف أمام خالق واحد وكلنا سواء. إن هذا هو الاستطراق الاجتماعي لأننا حين نرقب بعضنا في أثناء الصلاة نجد أنفسنا في حضرة الرب الذي أعد لنا الكون، وسخره لنا، وأعطانا الطاقات، وأعطانا المواهب، وإذا تأملنا واحدا له وظيفة كبيرة جدا، فأنت حين ترغب في لقائه تكتب التماسا، وينظر في الالتماس، فإما أن يوافقوا وإما لا يوافقوا على لقائك به. وإن وافقوا يسألوك: في أي أمر ستتكلم؟ وسيحدد لك الوقت الذي ستجلس فيه معه وليكن ثلاث دقائق مثلا، وحين تجلس إليه وتنسى نفسك يقوم هو ليدلك على أن المقابلة انتهت، لكن ربنا يقول لنا: تعالوا لي في أي وقت، وكلموني في أي شيء، وأنا لا أمل حتى تملوا، وأنتم يا عبيدي من تنهون المقابلة، وهذا عطاء كثير جدا. يغدقه المولى عزوجل على عباده. فهل هناك ربوبية أفضل من هذه؟. إذن فالصلاة إذا نظرت إليها وجدت أنها: " جماع كل فضائل الدين وفيها كل الفضائل للمجتع " لذلك جعلها الله عماد الدين. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ومن أظلم ممن افترى... ﴾.