أفرأيتم ما تحرثون
[الواقعة: 63]. ثم قال سبحانه:
أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 64] ومن مخصصات الإيمان أنك حين تقبل على أي شيء ذي بال ألا تنسى من سخر لك هذا، فليس في قدرتك أن تفعل لنفسك وبنفسك أي شيء إلا بإرادة الله، وإذا ما فعلت ذلك وتذكرت من سخر لك هذا تكون قد نسبت الأمر كله له سبحانه. ونحن في قوانيننا الوضعية ساعة يجلس القاضي ليحكم بين الناس حكما وهناك سلطة تنفذ هذا الحكم فهو يقول: " باسم الشعب " أو " باسم القانون " ، إذن الشعب أو القانون هو الذي أعطاه الصلاحية لأن يحكم هذا الحكم، فما هي القدرة التي جعلتك تحكم على الأشياء أن تنفعل لك؟ لا بد أن تقول إذن: باسم الله الذي سخر لي هذا، فإذا أقبلت على عمل بغير ذلك، تكون مفتاتا ومختلقا ومدعيا أمرا لا تستطيعه لأنه ليس في سلطتك ولا في قدرتك أن تسخر الكائنات لك. إن الحق سبحانه وتعالى هو الذي سخر لك الكائنات، فعليك أن تذكر اسم الحق لتنفعل لك تلك الكائنات، ومن يغفل عن ذلك فقد لبس وخلط إيمانه بظلم. وإذا ما رأيت ثمرة من ثمارك إياك أن تقول كما قال قارون:
أوتيته على علم عندي
[القصص: 78] بل اذكر وقل:
ما شآء الله
[الكهف: 39] لأنك إن قلت:
أوتيته على علم
[القصص: 78] فالحق قد قال في شأن قارون:
فخسفنا به وبداره الأرض
[القصص: 81] أين ذهب علم قارون الذي جاء به؟. إذن فكل أمر من الأمور يجب أن تنسبه لله، فإن اختل شيء فيك من هذه المسألة فاعلم أنك لبست وخلطت إيمانك بظلم، والحق سبحانه وتعالى منا ذلك حتى تكون النعمة مباركة إقبالا عليها أو انتفاعا بها، ولا ينشأ من العمل الذي تعمله مبتدئا ب " بسم الله " إلا ما يعينك على طاعته، ويعينك على بر، ويعينك على خير، ولا تصرفه إلا في عافية. وبعد ذلك يؤهلك مجموع هذه الأشياء في كل حركاتك وأعمالك إلى أن تأخذ أمنا آخر أجمع وأتم وأكمل من أمن الدنيا إنك تأخذ أمن الآخرة بأن تدخل الجنة. إذن ﴿ أولئك لهم الأمن ﴾ أي الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم، والحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل دائما بمنهجه لأن إمدادات الله سبحانه وتعالى مستمرة، ورحماته وتجلياته لا تنقطع عن خلقه أبدا لأنه قيوم أي إنه بطلاقة قدرته وشمول قيوميته يقوم سبحانه باقتدار وحكمة على كل أسباب مخلوقاته، فكن دائما في صحبة القيوم ليتجلى عليك بصفات حفظه، وصفات قدرته، وصفات علمه، وصفات حكمته. فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال:
" يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي "
ويقول - صلى الله عليه وسلم -:
" إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليه بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب "
إذن الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل بمنهجه اتصالا وثيقا ليعطينا، لا ليأخذ منا لأن الفرق بين عبودية البشر للبشر والعبودية الخالصة لله أن البشر يأخذ خير عبده، ولكن عبوديتنا لله تعطينا خيره من خزائن لا تنفد، نأخذ منه كلما ازددنا له عبودية، إذن الحق دائما يريد أن يصلنا به. ﴿ أولئك لهم الأمن ﴾ الأمن في الدنيا والأمن بمجموع ما كان في الدنيا مع الأمن في الآخرة. ولقائل أن يقول: هناك اناس لا يسمون باسم الله، ولا يخطر الله على بالهم، ويتحركون في طاقات الأرض ومادتها، وينعمون بها ويسعدون، وقد يسعدون بابتكارات سواهم.
ونقول: نعم هذا صحيح لأن فيه فرقا بين عطاء الفعل، والبركة في عطاء الفعل. إذا زرع الكافر فالأرض تعطى له، وإذا قام بأي عمل يأخذ نتيجته، لكن لا يأخذ البركة في العطاء. وما هي البركة في العطاء؟ البركة في العطاء أن يكون ما أخذته من هذا العطاء لا يعينك على معصية، بل دائما يعينك على طاعة. ونحن نرى كثيرا من الناس يصدق عليهم قوله سبحانه: