تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المؤسف أن البشر قد استغلوا ما اتفقوا فيه من ابتكارات علمية في فرض النظم التي اختلفوا عليها. وقد أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر إنه جل وعلا قد ترك عقول البشرية حرة في كل ما يخضع للتجربة، ولكنه نظم حياة الإنسان على الأرض في ضوء المنهج الإيماني لأن الإسلام جاء في إثر ديانة حاول القائمون على أمرها من الكهنة أن يفرضوا سيطرة الكهنوت على العقل البشري في أسرار الكون. والمثال على ذلك واضح تماما في التاريخ البشري، ففي العصر الذي تأخرت فيه أوروبا وسمي " عصر الظلمات " كان المسلمون في الشرق باتباعهم لمنهج الله يعيشون في عصر النور لأن الإسلام علمهم مجال استعمال العقل وقدراته على استنباط أسرار الله في الكون، وجاء سبحانه بهذا الدين وهو النبأ العظيم ليوضح لنا في مسيرة هذا الدين كل عبرة، وكأنه يقول لنا: إن هذا الدين قد بدأ ضعيفا والذين آمنوا به قلة مستضعفة لا يستطيعون حماية أنفسهم بل تلمسوا الحماية وطلبوها عند ملك غريب في الحبشة، وعلى الرغم من ذلك أنتصروا لأنهم أخذوا بهذا الدين. وقال صلى الله عليه وسلم مقالة ربه: ﴿ لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ﴾ [الأنعام: 67]. ومعنى " مستقر " أي ميلاد يستقر فيه. أي لا تتعجلوا الأحداث، ولا تجهضوها فإن شاء الله سيكون لهذا الدين انتشار، وهذا الانتشار له ميلاد في زمان وميلاد في مكان، أما زمانه فإلى أن تقوم الساعة، وأما مكانه فالأرض كلها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء رسولا للناس كافة، وخاتما للنبيين والمرسلين. ويؤيد الحق سبحانه قضية ﴿ لكل نبإ مستقر ﴾ بأن يشهد الواقع من الحقائق ما يؤكد ذلك. ومثل ما حدث في الزمن القريب المعاصر لميلاد الدعوة الإسلامية. فحينما جاء الإسلام آمن به قلة مستضعفة، ولما نزل قوله سبحانه:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

[القمر: 45]. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي جمع هذا الذي سيهزم ويولون الدبر ونحن لا نستطيع حماية أنفسنا؟ فلما جاء يوم بدر ورأى مصارع القوم كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاغا عن الله قال عمر بن الخطاب: صدق الله، لقد هزم الجمع وولوا الدبر. ونجد كل قضية قرآنية محفوظة ومسجلة في السطور، يحفظها الله حتى لا يكون للناس على الله حجة لأنه سبحانه القائل: ﴿ لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ﴾ [الأنعام: 67]. فلو لم يكن الواقع يؤيد أن لكل نبأ مستقرا، ولكن حدث ميلادا زمانا ومكانا، فماذا يظن الناس الذين يستقبلون القرآن؟ لذلك أتى الحق بكل قضية قرآنية ومعها دليلها، وأعطى الحق بعضا من الحقائق الموثقة بالأحداث زمانا ومكانا ليتأكد قوله الحق: ﴿ لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ﴾ [الأنعام: 67].

وقد علمت الدنيا وانتصر الإسلام. لقد شاء الحق أن يربي حامل الدعوة الأول - عليه الصلاة والسلام - ويعلم معه صحابته رضوان الله عليهم، يعلمهم منطقا ليسايروا به أحداث الكون. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى كان ينزل الرسل بالأديان على فترات، وعندما يعم الفساد في الأرض ينزل الحق منهجه على رسول ليهدي الناس إلى الصراط المستقيم لأن الحق سبحانه وتعالى جعل في كل نفس بشرية تعادلا ذاتيا، فإذا اشتهى الإنسان شهوة يحرمها الدين، وقضى الإنسان هذه الشهوة، وهدأت شرة وحدة المعصية في نفسه، فالإنسان يؤنب نفسه ويوبخها. ولكن النفس قد تستمرئ الشهوات، وينعدم الوازع الذي يردع الإنسان. وإذا انعدم الوازع في فرد واحد فلن ينعدم في المجتمع، ونجد من الناس من يحمل المجتمع على المعروف، ويوجه صاحب النفس التي استمرأت المعصية إلى التوبة والخير. أما إذا عم الفساد في الفرد وفي المجتمع فماذا يكون الموقف؟ لا بد أن تتدخل السماء برسول جديد، ومنهج جديد. ويأتي الرسول الجديد ومعه المنهج اللازم لإصلاح الكون. ولا يتبع الرسول الجديد إلا المستضعفون القلة، وأهل البصيرة من أهل القوة حتى لا يظن ظان أن الضعفاء لاذوا بالدين ومالوا إليه بسبب ضعفهم. ويحذر الحق المؤمنين وكأنه يقول: إنكم تواجهون باطلا عض الناس وأرهقهم وأعنتهم، وحين يعض الباطل المجتمعات فالذي ينتفع من ذلك هم أهل الباطل، والذي يشقى بذلك هم أهل الحق. فلكل فساد طبقة منتفعة به. وحين توجد الطبقة المنتفعة بالفساد. وحين توجد كلمة الحق فإن المنتفعين بالفساد ينظرون إلى نفوذهم الذي سينحسر حتما عندما تسود كلمة الحق. وحين ينتصر الحق لا بد أن يزول الفساد ومعه كل نفوذ أهل المفاسد. لذلك يقف المنتفعون من الفساد ضد الدين الجديد ليحافظوا على مكانتهم في المجتمع. ويقول الحق تهذيبا للمؤمنين، وتأديبا لغير المؤمنين: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٦٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٦٠٦