والله أعلم بالظالمين
[الأنعام: 58]. إن هذا التذييل قد احتاج إلى أن يشرحه لنا الحق بأن يعلم أوقات تحركات كل ورقة من أية شجرة، وهذا يدل على كمال الإحاطة والعلم، فضلا على أن هذه الأمور لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، فكيف بالأمور التي يترتب عليها الثواب والعقاب؟ لا بد أنه سبحانه وتعالى يعلمها ويفصل فيها. ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ [الأنعام: 59]. إنه سبحانه أيضا يعلم بالحبة التي تختفي في باطن الأرض وأحوالها. ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ [الأنعام: 59]. أي أنه جلت قدرته يعلم أمر كل كائن في هذا العالم لأن كل كائن في هذه الدنيا إما رطب وإما يابس، وسبحانه لا يعلم ذلك فقط ولكن كل ذلك معلوم له ومكتوب أيضا.
ويشرف على حركة تلك الكائنات الملائكة المدبرات أمرا، وحين تجد الملائكة أن حركة الكون تسير بنظام محكم دقيق على وفق ما في الكتاب، فإنها لا تفتر عن تسبيح الله ليلا أو نهارا:
وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون
[الأنبياء: 19-20]. وللحق ملك السماوات والأرض، ومن حقه وحده أن يعبد، ولا تتكبر الملائكة عن عبادته والخضوع له ولا يشعرون بالملل من العبادة والتنزيه له سبحانه. وأنت أيها العبد تكون في بعض الأمور مقهورا ولك في بعض الأمور اختيار، وهو سبحانه عالم بما ستختار. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وهو الذي يتوفاكم... ﴾.