ولذلك يقول الحق سبحانه:
قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا
[الإسراء: 100]. الحق سبحانه يعلم أن الإنسان مطبوع على الحرص الشديد أو البخل، وهو سبحانه الغني الكريم لذلك ينزل ما يشاء من خزائنه لعباده حتى ينتفعوا. ولم يدع الرسول صلى الله عليه وسلم الخزائن لنفسه، فكيف يطالبه المشركون بما في خزائن الله، وهو صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك ويوضح أيضا أنه لا يعلم الغيب: ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ﴾ [الأنعام: 50]. وهو بذلك صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه أي صفة من صفات الألوهية لأن الخزائن الكونية هي في يد الله، وكذلك ينفي عن نفسه علم الغيب. ولقائل أن يقول: ولكن ماذا عن الأشياء والأحداث التي كان يخبرنا بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي أحداث مستقبلية؟ ونقول: إن ذلك ليس علما بالغيب، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم معلم غيب، أي أن ربنا سبحانه وتعالى قد علمه، ومثال ذلك قول القرآن الكريم:
ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون
[آل عمران: 44]. إن الحق سبحانه هو الذي علم رسوله صلى الله عليه وسلم تلك الأخبار التي كانت من أنباء الغيب، ويحسم الحق هذه المسألة عندما يقول:
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا
[الجن: 26-27]. فسبحانه وتعالى هو وحده عالم الغيب، ولا يطلع أحدا من خلقه على الغيب. إلا الرسول الذي يرتضيه الله ليخبره ببعض من الغيب، ويحفظ الحق رسوله في أثناء ذلك بملائكة حفظة تحميه من تعرض الجن لما يريد إطلاعه عليه لئلا يسترقوه ويهمسوا به إلى الكهنة قبل أن يبلغه الرسول وحتى يصل الوحي إلى الناس خالصا من تخليط الجن وعبثهم. إذن فالرسول معلم غيب وليس عالم غيب. والغيب - كما نعلم - هو ما غاب عن الحس، ولم توجد له مقدمات تدل عليه، فهناك أشياء تغيب عنك ولكن لها مقدمات، فإن التزمت بالمقدمات من بدايتها يمكنك أن تصل إلى النتيجة. مثال ذلك: إن أعطيت تلميذا مسألة حسابية ليقوم بحلها، وعندما يحل التلميذ هذه المسألة فهو لم يعلم الغيب، ولكنه أخذ المقدمات والمعطيات، وبحث عن المطلوب، وأخذ يرتب المعلومات ليستنبط منها النتيجة. وكذلك حال الذين اكتشفوا أسرارا في الوجود، أعلموا غيبا؟ لا ، إنهم فقط استخدموا بعضا من المقدمات التي كانت موجودة أمامهم في الكون، وتوصلوا إلى نتائج جديدة، صحيح أن هذه النتائج كانت غائبة عنا، ولكن مقدماتها كانت موجودة، وكذلك كل النظريات الهندسية، كل نظرية نجدها تعتمد على سابقتها، وكل نظرية - حتى أعقدها وأصعبها - هي ملاحظة لأمر بدهي في الكون.
وكل علم من العلوم له مقدمات إن بحث فيها باحث فإنه يصل إلى النتائج الجديدة، وهذا ما نسميه " غيبا إضافيا " ، أي كان غيبا في وقت ما لكنه غير غيب في وقت آخر، ولذلك ينسب هذا العلم إلى البشر دائما، ولنقرأ قول الحق سبحانه:
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء
[البقرة: 255]. والإحاطة بالعلم كلها لله، وهو سبحانه الذي يأذن لبعض من خلقه بالإحاطة ببعض من هذا العلم، وكل سر من أسرار هذا الكون لا يولد إلا بإذن منه سبحانه وتعالى، وهو سبحانه يوفق العلماء أن يبحثوا في المقدمات ليصلوا إلى النتائج. ولكن ماذا عن العلم الذي لا توجد له مقدمات؟ هذا من الغيب المطلق الذي لا يظهره الحق لأحد إلا لمن ارتضى من رسول. أقول ذلك حتى لا يخطئ أحدنا فيظن أن إخبار إنسان لإنسان بمصير شيء ضاع منه هو معرفة للغيب، فقد يكون هذا غيبا بالنسبة لصاحب الشيء الضائع، ولكنه ليس غيبا بالنسبة للص الذي سرقه، ولا هو غيب بالنسبة للشخص الذي أخفى المسروقات، ولا هو غيب بالنسبة للجان المحيطين باللص، إذن فهذا ليس غيبا مطلقا، ولكنه غيب معلوم للغير. إذن فخزائن الحق سبحانه وتعالى ملأى بكل أنواع الخير التي تؤدي للإنسان مهمة البقاء في الأرض سواء من جهة الضرورات أو الأشياء الترفية. ﴿ ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ﴾ [الأنعام: 50]. إذن فالرسول صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه بقول الحق ثلاثة أشياء: منها شيئان ينفيان الألوهية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي ملكية خزائن الكون، وعلم الغيب، وشيء ثالث وهو أنه ليس ملكا، فهل يعني ذلك أن الملك أرفع من النبي؟ لا، ولكنهم قالوا له: إنما يمشي في الأسواق ويتكسب العيش بالعمل، والملك لا يفعل ذلك. ولكن الرسول بالطبع أرقى منزلة من الملك لأنه يقوم بهداية الإنس والجن ويتبع ما يوحيه إليه ملك الملوك، وهو الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إن أتبع إلا ما يوحىإلي ﴾. إنه من فرط ارتفاعه في الصدق المبلغ عن الله يعلن حقيقته صلى الله عليه وسلم بأنه من البشر، والبشر ابن أغيار، ويعلم شيئا، ويجهل شيئا، ومن مصلحة المرسل إليهم أن يكون الرسول متبعا لا مبتدعا، ذلك أنه ينقل لهم تكاليف الخالق بألفاظها لا أفكار البشر التي قد تتغير أو تتبدل. فلو ابتدع لابتدع في إطار بشريته، وفي ذلك نزول لا ارتقاء، لكنه في الاتباع يأتي بالارتقاء للبشر لأنه يتبع ما أوحى به الإله الذي اصطفاه رسولا.