فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم
[الصافات: 103-107]. لقد اشترك الاثنان في قبول قضاء الله، وأسلم كل منهما للأمر أسلم إبراهيم كفاعل، وأسلم إسماعيل كمنفعل، وعلم الله صدقهما في استقبال أمر الله، وهنا نادى الحق إبراهيم عليه السلام: لقد استجبت أنت وإسماعيل إلى القضاء، وحسبكما هذا الامتثال، ولذلك يجيء إليك وإلى ابنك اللطف، وذلك برفع البلاء. وجاء الفداء بذبح عظيم القدر، لأنه ذبح جاء بأمر الله. ولم يكتف الحق بذلك ولكن بشر إبراهيم بميلاد ابن آخر:
وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين
[الصافات: 112]. لقد رفع الله عن إبراهيم القدر وأعطاه الخير وهو ولد آخر. إذن فنحن البشر نطيل على أنفسنا أمد القضاء بعدم قبولنا له. لكن لو سقط على الإنسان أمر بدون أن يكون له سبب فيه واستقبله الإنسان من مجريه وهو ربه بمقام الرضا، فإن الحق سبحانه وتعالى يرفع عنه القضاء. فإذا رأيت إنسانا طال عليه أمد القضاء فاعلم أنه فاقد الرضا. ونلحظ أن الحق هنا يقول: ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ﴾ الله سبحانه وتعالى يعلم أن أي عبد لا يتحمل أن يضره الحق فقوة الحق لا متناهية ولذلك يكون المس بالضر، وكذلك بالخير فالإنسان في الدنيا لا ينال كل الخير، إنما ينال مس الخير فكل الخير مدخر له في الآخرة.
ونعلم أن خير الدنيا إما أن يزول عن الإنسان أو يزول الإنسان عنه، أما كل الخير فهو في الآخرة. ومهما ارتقى الإنسان في الابتكار والاختراع فلن يصل إلى كل الخير الذي يوجد في الآخرة، ذلك أن خير الدنيا يحتاج إلى تحضير وجهد من البشر، أما الخير في الآخرة فهو على قدر المعطي الأعظم وهو الله سبحانه وتعالى. إذن فكل خير الدنيا هو مجرد مس خير لأن الخير الذي يناسب جمال كمال الله لا يزول ولا يحول ولا يتغير، وهو مدخر للآخرة. ولا كاشف لضر إلا الله فالمريض لا يشفى بمجرد الذهاب إلى الطبيب، لكن الطبيب يعالج بالمهارة الموهوبة له من الله، والذي يشفي هو الله.
وإذا مرضت فهو يشفين
[الشعراء: 80]. لأن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الداء، وخلق الدواء، وجعل الأطباء مجرد جسور من الداء إلى الدواء ثم إلى الشفاء، والله يوجد الأسباب ليسر ويفرح بها عباده، فيجعل المواهب كأسباب، وإلا فالأمر في الحقيقة بيده - سبحانه وتعالى -. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم ".
ونحن نرى أن الطبيب المتميز يعلن دائما أن الشفاء جاء معه، لا به. ويعترف أن الله أكرمه بأن جعل الشفاء يأتي على ميعاد من علاجه. إذن فالحق هو كاشف الضر، وهو القدير على أن يمنحك ويمسك بالخير. وقدرته لا حدود لها. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وهو القاهر فوق عباده... ﴾.